د. صفاء برهان
يعود أصل التسمية التي تعنون بها العدوان السعودي الحالي على اليمن، إلى بيت شعر لعبد العزيز آل سعود، يقول فيه: “الحزم أبو العزم أبو الظفرات والترك أبو الفرك أبو الحسرات”. والجدير ذكره أن الرجل أوصى أولاده قبل وفاته، قائلا: (يجب أن يبقى اليمن فقيرا وضعيفا حتى نأمن في السعودية)، وهكذا فقد برّ الأبناء بوصية أبيهم عقودا طويلة، وطفقوا أخيرا في عاصفة حزمهم الحالية؛ ليسترجعوا نفوذهم الذي فقدوه منذ تحرك الحوثيين الأخير، في هذا البلد المنهار في بناه المتعددة، والذي تحرر للمرة الأولى من نير التبعية الكاملة للسعودية.
وقبل الخوض في المغامرة السعودية، يجب لفت الأنظار إلى أنها أمست أكثر حكومة في منطقة الشرق الأوسط، اشترت السلاح في السنوات الاربع الأخيرة؛ لتكون اليد الضاربة الأولى للمشروع الأميركي في تغيير وجه المنطقة، التي تضعضعها عواصف الأحداث بين الفينة والأخرى؛ لهذا فإن أية دولة تحاول الخروج عن هذا المشروع، ستلقى الويل والثبور كحال اليمن اليوم، الذي يحرص آل سعود على تطويعه من جديد، وإن تم هذا الأمر فإنهم سيمضون في مشروعهم فيه إلى ما لا نهاية. وما يزيد هذا الحرص أن اليمن يمتلك حدودا مهمة مع بلاد الحجاز شمالا وعمان شرقا.
المهم اليمن الآن ينعم ببحبوحة منغصة؛ لخروجه عن الهيمنة السعودية التي أبقته ضعيفا ومرتهنا لهذا الخيار المشؤوم (الشرق الأوسط الجديد)، وجعله من أفقر البلدان في العالم، على الرغم من مخزونه النفطي المهم، الذي جوبه بسياسة معادية، حيث محاصرة أية فرصة متأتية، يقفز بها على واقعه المؤلم. التغير الجديد الذي جاءت به الجارة الجنوبية للسعودية، وقاده السيد عبد الملك الحوثي زعيم حركة أنصار الله في اليمن، لن تقبل به الحكومة السعودية والدول الخليجية والأميركان، الذين ربما يظن أنهم غضوا الطرف عن الساحة اليمنية، ولكن في حقيقة الأمر أن اميركا كانت تعتقد أن دول الخليج، ومنهم حكومة آل سعود، قادرة على احتواء تنامي الحوثيين، ولكن المفاجأة التي فجرها الحوثيون فاجأت الكثيرين، ما أدى في نهاية السبيل إلى خسارة الحكومة السعودية التي طالما حاولت الدعوة إلى حوار في أراضيها وخارجها ولكنها لم تنجح، وما كان ذلك منها إلا لتتدارك مصالحها في المنطقة أولا، وتحقق مشروع أميركا ثانيا، ولكن في النهاية الشع اليمني أراد التحرر من التبعية.
من جهة أخرى فإن قوة الحوثيين تختزن في شعبيتهم، لا في قواهم العسكرية؛ لأن العسكر لا يستطيع أن يحتضن الأفكار والجهود التغييرية، وهم أي الحوثيين، شعروا أن اليمن يباع ويشترى، والغالبية العظمى من اليمن تعيش الفقر الرهيب والارتهان العجيب، وجزء كبير منه يحتاج مساعدات يومية ليطعم أطفاله، في الوقت الذي يملك فيه اليمن ثروات كبيرة محظور عليه استثمارها في حياة رغيدة. 
ومن هنا يجب التأكيد على أن التغيير في اليمن لم يكن تغييرا عسكريا، بل هو تغيير يسعى إلى انتشال الإنسان في ذلك البلد، والمشروع الذي قدمه الحوثي كان يحمل ملامح رؤية كاملة للتغيير، وقد استطاع عبر مواقفه الكثيرة أن يقنع الشعب اليمني بمشروعه في إقامة الدولة، وأن هذا البلد المتداعي اقتصاديا وسياسيا، يمكن أن يؤخذ إلى مكان آخر، بحيث تبني الثقة فيه وتنتعش مرافق الحياة؛ لذا كانت حركته التغييرية خاطفة أدهشت الكثيرين، ومنها نفهم ردود الأفعال الكثيرة إزاءها، كتصريحات وزارة الخارجية السعودية، والطائرات المائة التي تقصف بالليل والناس نيام، والقمة العربية البائسة والمشروع المريب للقوة العربية المشتركة، والذي استأسدت به السعودية على اليمن، وتركت إسرائيل نائمة مطمئنة. ويجب الأخذ بالحسبان أن تركيبة النفوذ في اليمن ليست لصالح آل سعود، الذين دخلوا الحرب مباشرة، ضد الشعب اليمني المؤمن بعقيدته وإرادته، والساعي إلى استرداد قراره الأمني والسياسي والاقتصادي، وهو لن يسمح للسعوديين بفرض أية قرارات عليه، علاوة على أن مشاركة دول عربية للسعوديين هي مشاركة رمزية واضحة؛ فنيّة زعيم السودان، هو التقرب من مصر وآل سعود، فهو ملاحق قانونيا كما هو معلوم، ومتهم في جرائم إنسانية، ويحتاج السودان إلى شيء من المال؛ وحالة كهذه لا يعول على موقفها في حرب تحتاج المال والسلاح. وما حال مصر عنها بسعيد؛ فهي في أزمات اقتصادية، وقد قدّم مؤتمر الاستثمار الأخير لها الكثير من الخدمات المالية، الامر الذي ينتظر منها موقفا سياسيا مصريا إزاء الخليج وآل سعود. أما قطر فهي لا تمتلك الجيوش، بل المال الذي تشتري به الفوضى، ولكن هذه المرة على أبواب السعوديين.
وربما ستنسحب دول كما حدث في درع الجزيرة في البحرين بانسحاب الإمارات وغيرها. وفي النهاية فالذي سيبقى هو الجيش السعودي، أو من ستتبرع به الدول التي جوّعها حكامها المتحالفون مع آل سعود، لتقف في وجه القوات الشعبية اليمنية؛ لأن السعودية لا تستطيع قيادة معركة من الجو، كحال الأميركان الذين شنوا ألف غارة في كوباني، ولم تغير من الأمر شيئا؛ لأن التغيير يكون على الأرض، وهي لن تدخل حرب استنزاف بجيشها المترف، مع شعب متمرس على القتال يحمل روح مناوئة لكل احتلال، بل ربما يتكرر ما حدث في حرب 2009، عندما ترك الجيش السعودي عتاده وهرب؛ ليدخل الحوثيون في الأراضي السعودية، وقد ساعدهم في هذا التداخل القبلي مع السعودية، التي ستندم على توليها الحرب بنفسها، بعدما كانت تدير الحروب بالوكالة في الساحة السورية والعراقية.ومهما يقع من شأن فالحوثيون يتحركون من قوتين مهمتين، الأولى داخلية كما تقدّم، والأخرى إقليمية حيث انتماؤهم إلى محور مقاومة المشروع الأميركي، فقبل فترة حذرت إسرائيل شركاتها من طريق باب المندب، ثالث أهم مضيق بحري في العالم، وهو الآن تحت نار الحوثيين، وكذلك الأميركان فعلوا الأمر نفسه بدءا من إجلاء رعاياهم، وحتى منح الضوء الأخضر لضرب اليمن؛ وكان اختيار يوم 26 آذار محسوبا في الأجندة السعودية، فهو تاريخ عودة المحادثات الأميركية – الإيرانية، والسعودية استبقت الأمر؛ لتضرب ما يمكن أن تؤول إليه المفاوضات من صفقة، الامر الذي يخلق إرباكا في الحسابات الدولية، وخاصة ما يتعلق منها باسرائيل، اذ إن نتنياهو ذهب للكونغرس وقال انه لا يريد أكثر من حذف جملة يرددها الإيرانيون، وهي (أنها تريد إزاحة إسرائيل من الوجود). وهذا الطلب لا تفكر فيه القوى المقاومة. وإذا كانت إسرائيل منزعجة من هذه المفاوضات، فالسعودية والخليجيون منزعجون أكثر، وهم يدفعون الكونغرس لإيقاف أي اتفاق ربما يعقد. 
إذن فالإحساس قائم بأن إيران ربما تخرج من عزلتها الدولية مع الغرب، باستثناء فرنسا، وهذه الأخيرة يمكن تغيير رأيها، عندما تضغط عليها شركاتها للسير في مصالحها القومية. وهناك تداعيات اقتصادية في الأسواق العالمية ومنها الخليجية، فهي بدأت المعركة ولكنها لا تقدر على إيقافها، والمؤكد أن خسائر مادية أخرى ستلحق بالسعودية، كما الحال الذي لحقها في حرب الخليج الأولى والثانية، حتى اضطرت لسحب جزء من مدخولها القومي، ما أدخل العجز في ميزانيتها، وهي الآن فتحت المعركة على أبوابها. من المؤكد أن السعودية دخلت في الوحل اليمني، وعندما ينظر اليمني إلى قتل الأطفال بطائرات النفط ليلا، فلن يسكت وهو شعب قوي يأبى الضيم، والمفاجآت الحوثية قادمة لا محالة، واليوم كشف الستار والمواجهة والخيارات واضحة، وفي النهاية هناك دم لأبرياء قتلوا من دون سبب، وهو ما يترك أثره في القيادة والشعب اليمني. والسعوديون أحدثوا صدمة ستجلب إرباكا للمنطقة، ولاسيما عندما يتحرك الحوثيون، وهم من لا تخضعهم مئات الطائرات للاستسلام او المفاوضات تحت شروط السعودية التي يصعب عليها أن تكون حكما وهي الخصم في الوقت ذاته. الحل في النهاية سياسي، والتبكير بضربة عسكرية خطأ ستراتيجي استعجلته السعودية، واليمن جزء من محور المقاومة وهو ليس ضعيفا، ولكنه ليس مستعجلا في الحرب، وهو قادر على الدفاع عن نفسه، ولا شك ان ما يهدئ من غليان اليمن هو التقاء وحوار الأطراف اليمنية، من دون تدخلات خارجية.

التعليقات معطلة