Pdf copy 1

جمال العتّابي
مضى أكثر من عقدين من الزمن على صدور كتاب (برلين، بغداد، ريو، مدخل إلى القرن الواحد والعشرين)، لمؤلفه (ألان ليبياتز)، مدير أبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا، له العديد من الكتب المترجمة إلى لغات مختلفة. صدر الكتاب عن دار المسار عام 1994 بطبعته الأولى، وترجمه الدكتور هاشم الحسيني، وريو، مختصر اسم (ريو دي جانيرو) عاصمة البرازيل الأولى.ثمة علاقة زمانية بين المدن الثلاث، في عنوان الكتاب، لا تضاد بينها، لأنها شهدت أحداثا عاصفة مطلع تسعينيات القرن الماضي، إذ سقط جدار برلين، وانهارت المنظومة الاشتراكية، واندلعت حرب الخليج الثانية التي حشدت لها اميركا، بعد غزو صدام للكويت، وراح رؤساء دول وحكومات يتسابقون من جميع دول العالم، ليجتمعوا في أكبر مدينة مجنونة، من اجل حضور (قمة الأرض) الأولى في ريو، كي يواجهوا التحدي الكبير للقرن الحادي والعشرين.
يكتسب الكتاب أهميته، من انه ليس بحثا في المجهول، بل هو محاولة في اختراق هذا المجهول، واستشراف المخبّأ الذي ينتظر البشرية، بعد التحولات والانعطافات الدراماتيكية التي بدأت تظهر ملامحها وبداياتها، لتنذر بجسامة الأخطار والتحديات التي ستواجهها البشرية في العقود التالية، فضلا عن كونه قراءة متأنية تنتمي للحقائق والمدرك، قراءة تريد أن تقدم خلاصة لمصير البشرية المقبل، وما ينتظرها من آلام.
كيف يرى الكاتب العالم، بعد حرب الخليج؟ في 28 شباط، انتهت حرب الخليج الثانية، وسقطت كل الأقنعة، لقد أدرك الحقيقة، أولئك النساء والرجال السذّج الذين آمنوا حتى كانون الثاني 1991، بإمكان وجود حرب في سبيل الحق. لم تكن المسألة في حدّها الأدنى، إلاّ رغبة في تدمير دولة ورجم شعب، والذريعة كانت ممتازة بالتأكيد. إنها (عدوانية النظام العراقي)، وعناده، وتلويحه بتهديدات جديدة، حتى ولو لم تعرف طريقها إلى التنفيذ، فما أن أعرب المتهم عن رغبته في الاستسلام، حتى ظهر بوضوح عناد (الديّانين). هؤلاء الديّانون، لم يعترضوا على كل حروب العراق السابقة، بل أمدّوه بالسلاح والمال والدعم اللوجستي، ليمارس عدوانه على جيرانه، وشعبه، ثم خمدت أصوات الاحتجاج هذه (إذن لا بد من أن نبدأ يوما، ولنبدأ بالنظام العراقي، وسنرى فيما ينبغي فعله بالنسبة للآخرين). يعود الكاتب إلى الجذور الأولى، في أساليب التآمر، حتى لا يتبادر إلى ذهن القارئ، انها وليدة الحاضر. إن ليبياتز يناقش على نحو فعّال، مديات تأثير تعبئة الكراهية الدفينة (حرب إراحة الضمير، حرب التفوق الساحق للشمال، على بلد في الجنوب تحت شعار: (الانتصار للحرية)!. 
جماعة إنسانية واحدة، مسؤولة عن كوكب واحد، قد يقودنا جنوننا لتدميره، نتيجة روح اللامسؤولية، التي تتميز بها ممارساتنا. عشرون عاما مضت، والتحذير قائم باسم الايكولوجيا السياسية، لكنهم، كما المنادي في الصحراء، وها ان (الخطر الشامل)، بات معترفا به!.الكاتب يجعلنا نقف بدهشة أمام (الانتصارات) المزعومة – أي رجم شعب العراق- التي ولّدت الشعور بالكراهية لدى منطقة بأسرها، إنها تسفيه للقيم الغربية. إن قراءة المستقبل، وإدراك الواقع، تبرز أهم مواقع الضوء في الكتاب، قراءة قد نتفق أو نختلف معها، لكن العلاقة تتوطد، إذ يوقظ الكاتب الذاكرة الآن، وهي تنفتح على ما مضى من تحذير شديد، من الخطر القادم، من (انتصار) محتمل للاتجاه الأصولي السلفي المتشدد، مستفيدا من عمليات انتخابية (ديمقراطية ) محتملة.. وهو ما وقع بالفعل في بلدان عربية، مشرقية ومغربية، وكان الثمن غاليا، تكبده أصحاب القرار، على الاحتمال الأرجح. وهو ثمن يتجاوز مردود (الفائدة) المرجوة من تدمير العراق.على مدى أكثر من (180) صفحة، يتوصل (ليبياتز)، إلى ان حرب الخليج، كانت حربا من أجل البترول، لكنها ضد الاقتصاد في استهلاك الطاقة، ومع تفاقم تسخين فضاء الأرض، وضد اختيار نمط نمو معقول، وستجد مليارات البشر أنفسها مضطرة، خلال السنوات المقبلة لإعادة ترتيب أوضاعها، بغية التكيف مع التغيرات المناخية، في إطار عام، استنفد حدود إمكاناته، ومزقته التوترات العرقية الجامحة. لا تبدو مهمة الكاتب عسيرة، وهو يحاول كشف الحقائق، لأنه يخاطب الأعمق والأدل في الإنسان، لترى البشرية نفسها، ويقف بمواقع حساسة، ويقدم مؤشرات بالغة الدقة، إذ يلفت الانتباه إلى ان (حرب البيئة) قد بدأت، وهي كما حرب النار، تشكل منعطفا كبيرا في تاريخ الجنس البشري، وستستمر لأربعين عاما حسب تقديرات الكاتب، وهو الوقت اللازم للإنسانية، كي تنقذ نفسها، أو أن تضيع مع سفينتها الصغيرة (الأرض)، إنه الوقت اللازم لنعرف من الذي سيؤكل؟!!.    إنه تساؤل مرير، بدأ توقيته مع مؤتمر البيئة والتنمية الذي عقد في (ريو) عام 1992. يقول الكاتب: “علينا أن ندرك سياسة اللامبالاة التي تتبعها اميركا، حيال الاخطار البيئية. إن النفقات المترتبة على تزايد السخونة، تضرب عرض الحائط بالمجاعات، ومآسي الحروب، ونزوح ملايين البشر عن أوطانهم. إن السياسة الاميركية، لا يهمها أن تلغي شعوباً من أجل تحقيق مصالحها..بينما نرى البشرية غير عابئة بصير أحفادها”.هل من وسيلة لمواجهة أساليب السحق والانهيارالتي تحيق بمستقبل البشرية؟. إننا نتساءل مع الكاتب، كيف السبيل لخلق شروط التحدي الصعبة؟ وهل إن الرأي العام العالمي، قادر فعلا، كما يرى ليبياتز، على التصدي لهذه الأخطار؟. إنه التساؤل المشوب بالحذر والقلق لديه أيضا، تساؤل أشبه باللغز، في عالم يبدو كوحدة صغيرة في نظام (عولمة)، تسعى أميركا أن تهيمن عليه بلا منازع، والإنسان فيه مهمش أو مسحوق.كيف الخلاص؟ إن البيئة لم تعد مساحة عذراء، كما يصفها الكاتب. الجميع مسؤول عن مصيره المشترك، والشروع بإرساء قواعد التضامن البشري لضمان الحقوق في البحث عن السعادة، دون أن نفسد حق الأنواع البرية في الوجود كذلك.اخيرا، الكتاب وإن طغت لغة التشاؤم فيه، إلا ان الكاتب قادنا إلى حقائق وأرقام، أوردها بعمق وتحليل، لا سيما وانه على تماس مباشر مع الأساس والمصدر، الذي يناقشه بعلمية، ودقة فكرية رفيعة المستوى، وبات من الضروري مراجعته، إذ لا تزال مبررات طروحاته قائمة، ومتوقدة الحرارة، وتنذر بأخطار قادمة.

التعليقات معطلة