امين قمورية
أقدم الإغريق وقالوا “لا” لـ”ارهاب” الدائنين، لا لمزيد من التقشف، لا للخوف من عصا الرأسمالية العمياء. “لا” كبيرة زلزلت أوروبا وكسرت فزاعة الخروج من اليورو وأعادت للمسار الوطني مكانته وللناس ارادتهم. “لا” من شأنها أن تنعش اليساريين الرافضين لـ”اقتصاد التقشف” حول اوروبا وخارجها، فضلا عن الرافضين لبيروقراطية الاتحاد الاوروبي وإملاءات المصرف المركزي الاوروبي وصندوق النقد الدولي. 
“لا” تطوي صفحة من حرب بين حكومة اليكسيس تسيبراس وأوروبا، من دون أن تنهي معاناة اليونانيين ولا أزمتهم المتفاقمة منذ
 سنوات.
اليونان دفعت سلفاً الثمن قهراً وذلاً وتقشفاً وفقراً. خمس سنوات من العيش تحت رحمة الاجراءات التي فرضتها الترويكا لم تصحح الخلل ولم تحسن الاقتصاد ولم تردم الثغرات. كانت عقابية عوضا عن أن تكون اصلاحية، تضاعف الدين عوضا عن ان يتراجع، تقلص الاقتصاد عوضا عن ان ينمو، فقدت الاصول الوطنية ذات القيمة الانتاجية عوضا عن ان
 تتعزز.
 كان مطلوبا من اليونانيين الاستمرار في تجرع الاجراءات السامة نفسها من دون أي أمل في الشفاء…فكانت الـ”لا” المدوية التي تتردد اصداؤها اليوم في اسبانيا والبرتغال وايطاليا رفيقة اليونان في المصيبة الاقتصادية. “لا” رفعت النبرة المعادية لمنطقة اليورو وسط احزاب راديكالية حول  أوروبا.
الـ”لا” العالية التي قالها اليونانيون لسياسات التقشف الاوروبية رفعت أسهم رئيس الوزراء اليساري اليكسيس تسيبراس في بلاده. تسيبراس الذي تمكن من تحسس النبضات الشعبية اليونانية التي أنهكتها أزمة اقتصادية تمكن من أن يقدم نفسه باعتباره ثائرا على التقاليد السياسة والاقتصادية التي وصفها بـ”العتيقة” مبديا رغبة كبرة في إبراز ما أسماه بـ”قطيعة” مع الماضي .الا أن بلاده هذه قد تدفع ثمنا باهظاً نتيجة تمرد مواطنيها إذا قرر زعماء أوروبا معاقبتها .
يمثل التصويت السلبي لليونان انتكاسة قوية للاتحاد الاوروبي، وتحديداً للمستشارة الالمانية انجيلا ميركل، زعيمة أكبر اقتصادات النادي الاوروبي، التي اعتبرت مهندسة سياسية التقشف في التكتل الاوروبي.  ويخشى أن يدفع خروج محتمل لليونان من منطقة اليورو، الى اضعاف هذا التكتل.
المواجهة الاولى مع مافيات المصارف الكبرى واباطرة المال انتهى فصلها الاول. لكن الفصل التالي بدأ للتو. الحكومة التي وقفت في وجه أكبر تكتل اقتصادي عالمي بعد الاقتصاد الاميركي، بات مطلوباً منها ان تجترح معجزة اقتصادية تعوض الخسارة المتوقعة للمساعدات  الاوروبية. 
المهمة الصعبة الآن هي وضع برنامج اقتصادي وطني جريء يحفز النمو ويستثمر ايجابا القيمة المضافة ويحد من نسبة البطالة المرتفعة. والمهمة الاصعب هي التعامل مع الشرائح والطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة التي خرجت مرهقة من سنوات التقشف العجاف والتزمت “لا” حكومة جبهة “سيريزا”. هؤلاء من الصعب اقناعهم بربط الاحزمة على البطون مرة أخرى. اليوم لم تعد معركتهم مع متسلط خارجي يفرض شروطه من عليائه ومن السهل استنفار المشاعر الوطنية ضده، بل صارت مع وطني ارتفع من خارج الصفوف التقليدية الى رأس السلطة لأنه وعد الناس بالخلاص من الازمة والناس صدقته. ومن وعد، عليه ان يفي بالوعد… وإلا!.
تركيا جار اليونان اللدود، أبلت بلاء حسناً في الاقتصاد من غير ان تكون في فردوس منطقة اليورو ولا الفضاء الاوروبي، فلماذا لا يستفيد الاغريق من دروس خصمهم التاريخي؟ صحيح ان انقرة اعتمدت في نموها على راعيها الاميركي الذي لن يفوت الآن فرصة المخاض اليوناني لدق اسفين جديد في اقتصاد القارة القديمة… لكن مروحة الحلفاء والاصدقاء الجدد المتاحة لأثينا، واسعة وفي مقدمة هؤلاء شركاؤها الاوروبيون في المصيبة نفسها. ولعل وحدة الفقراء القدامى والمفقرين الجدد دولاً وشعوباً في اوروبا وتعاونهم يعيد التوازن المختل الآن في القارة لمصلحة الاغنياء ويجعل الاتحاد الاوروبي اكثر انسانية.
المـاراثـون اليـساري اليـوناني المقبل شاق وصعب، لأن فشله ستترتب عليه سيادة مطلقة لليمين الفاشي أو لمزيد من توحش رأس المال.

التعليقات معطلة