Pdf copy 1

عثمان النمر
مثلما تكون هناك ضارٌّة نافعة، فقد تكون هناك نافعةٌ ضارّة، الأمر الذي سوّغ للفقهاء قاعدة “درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة”.
أحياناً تتحول عناصر ذات صلة بالحماية والوقاية والمناعة إلى الإضرار بالجسم، إذا تضافرت مع عوامل أخرى، أو أدى تأثيرها التراكمي إلى خروجها عن المهمة الأساسية التي جعلت لها.
الأمثلة لا تحصى ولا تعد في علم المناعة عن خلاياها التي تهاجم الخلايا السليمة التي تشبه الخلايا المريضة والتي تتحوّر فيها الفيروسات، وفي حالة أخرى يؤدي عمل عناصر المناعة على المدى الطويل إلى الإضرار بأعضاء أو وظائف أخرى عضوية أو حسية.
اكتشف علماء في جامعة كاليفورنيا الأمريكية أن البروتين «بي 2 إم» الذي له صلة بالمناعة في الجسم يؤدي تراكمه في الدم مع التقدم في العمر إلى تدهور الإدراك والمعرفة وفقدان الذاكرة. وقد وجد البروتين بتركيزات عالية في الدم وسائل النخاع الشوكي لدى كبار السن الذين يعانون من الخرف (الزهايمر).اكتشاف العلة أو الآلية المؤدية إليها يساعد في علاجها بمنع مسببها أو عكس آلية عمله.
الدين من أقوى عوامل المناعة الفردية والمجتمعية، ولكن القراءة المنقطعة عن العصر لمبادئه وروحه وتراثه أدت بنا إلى ما نراه اليوم من انتشار الجماعات ذات المفاهيم المغلقة والبصائر العمياء وفقدان القدرة على تلمس الطريق، والعيش في صور ماضوية تشبه أحلام الطفولة الجميلة التي لا مكان لتحقيقها.من جلائل التخفيف والتيسير بين المذاهب التي تنزع من منزع واحد وتمتح من نبع واحد، السعة التي توفرها للناس للأخذ منها بما يوافق الشرع والطبع والنقل والعقل والثابت والطارئ والأصل والعصر.
وما نشأت المذاهب إلا بالاجتهاد لمعرفة الحكم الشرعي من الأصول بعرض الواقع عليها. وما دامت الحياة متغيرة ومتطورة، فالأحوال تتجدد ما يتطلب استمرار وتجدد الاجتهاد حسب الأصول المرعية لمواكبة الحياة.
لم تتولد وتتناسل وتتناسخ الجماعات المنغلقة إلا لأن البعض يريد إغلاق باب الاجتهاد، وأن تقف الصورة المتاحة للحياة عند العصر الأول للإسلام، فيرتاحوا ويريحوا أنفسهم من عناء المواكبة وترقية الفكر. وهذا لا يعني سوى الجمود والركود.
الجماعات التي تعتبر نفسها قابضة للإسلام وأنه علامة تجارية لها لا يحق لسواها، تمثل شيخوخة التكلس العقلي والخرف المرتبط بانحدار وظائف الإدراك وبطء التفاعلات العصبية بين الفرد ومؤثرات الحياة من حوله وتآكل الذاكرة.إذا كان من الممكن في الطب العضوي تثبيط عمل العناصر المرضية أو عكس عمل آليتها، فهل من الممكن أن يتم ذلك في المجتمع العريض العربي والإسلامي لتخليصه من الجماعات الفيروسية المتشرنقة والمتكلسة والناشطة التي تنخر بنية المجتمع والدول؟

التعليقات معطلة