خيرية دغوم
يعتبر الأدب العراقي نواة التجديد لصنوف الأدب المعاصر، من أيام نازك والسياب، ولو عدنا لقائمة الأسماء التي حملت لواء التجديد في عصرنا الراهن في العراق، لوجدنا اسم صالح جبار خلفاوي في الطليعة يعتليها ويتصدرها خاصة في مجال السرد، والسرد التفاعلي بصفة أخص، ولهذا يعتبر من أهم رواد التجديد في الأدب العراقي والعربي، ولريادته في هذا المجال.وما يميز أعمال خلفاوي ليس الجدة والابتكار في الجنس الأدبي والتقنيات الحداثية المستعملة لتطويره فقط، وإنما ما يميزه أيضاً الأسلوب واللغة، فبالإضافة إلى كونه من المجددين في نوع الجنس الأدبي، فهو أحد رواد السرد التفاعلي الذي ظهر أخيراً في مجال الأدب، ليساير التكنولوجيا ومتطلبات العصر، فيحقق صرعة جديدة تمثل أوج التطور الأدبي ومسايرته العصر، وهو ما أسهم في انتشاره، وتداوله وهما أهم سمة لتخليد أي عمل أدبي، بالإضافة إلى ذلك شمل التميز الجانب الفني والأسلوب، وهو ما تتسم به كل أعماله، فهو يمتطي جنون الشعرية، ويضفي عليها تعاويذ جمالية، ليخرجها في حلتها البهية، فلا يطويها الزمن، ومرد ذلك لسببين، جمال الأسلوب المتمثل في شعرية اللغة، وعبثية المضامين، والتي تحمل في طياتها أزمة الهوية ورهانات الحداثة وتحدياتها في عصر العولمة، في رموز وشفرات يصعب فكها، ولا يستطيع سبر أغوارها إلا قارئ قدير، لتضفي على أعماله صبغة الرمزية المطلقة.
يحاور القارئ في أعماله كتلة لغوية وحمالة إيديولوجية، فيقف في متاهة الكلمات باحثاً عن المعنى الذي يحاول لملمة شمله في الدلالات المؤجلة، في دوامة النهاية المفتوحة، هذا النوع من التشظي في شكله، جمع بين تفاصيله رابطاً مشتركاً وهو رسم معاناة الشعوب العربية، أزمنة الضياع، والاغتراب أمام سخرية الأقدار، وتفنّنها في كيفيّة تحطيم الآمال، والقضاء على الأحلام في طورها الجنيني، حتى قبل خروجها إلى الوجود، ليرسم تجربة إنسانية، وهو أحد العوامل التي تساهم لسمو أي أدب إلى العالمية.
ليطل علينا خلفاوي هنا من عُلاً، متطلعاً بنا نحو بوابة جديدة، يتفنن من خلالها في ابتكار طريقة جديدة للحكي، لا لتلغي طرق الحكي التقليدي، وإنما تحدث نوعاً من التغيير فيتحول المتلقي من سلبي يتلقف النص فقط، إلى إيجابي يسهم في إنتاجية النص، هنا تتحقق قفزة نوعية، ونقلة فريدة ورائدة في مجال التجديد في الأدب العربي.
يبلور خلفاوي كل هذه المضامين بلغة شعرية، تتسم بالجمالية، مستجلباً انتباه القارئ إلى النهاية بطريقة مشوقة، تبعث المفاجأة والدهشة فيسلب لبه، ويسحر وجدانه فيتتبعه القارئ مستمعاً إلى ناي كلماته السحرية فيأسر خلده، فيتفاعل وجدانه ويتأثر، ما ينبش أتربة التساؤلات في حفيظته ويبعث في القارئ ولع البحث عن النهاية التي تحمل الإجابات الشافية، فيبقى في دوامة السؤال، فيتوجه للبحث والتفتيش ليشفي روحه من التساؤلات الحائرة، فيعكس بذلك عالمنا الراهن في شكله العبثي في طرحه أسئلة دون إجابات.