نشوان محمد حسين
الفساد الذي يستهدف مؤسسات الدولة والمال العام ليس بجديد على العراق ولعل أبرز ما وصلنا منه هو ذلك الذي كان في زمن الدولة العثمانية خصوصا النوع الذي كان يمارسه الدرك بصحبة موظفين مثل ” البلطجية “! ممن يقومون بجباية الضرائب من الصناع البسطاء والفلاحين الفقراء.. وامتد هذا الفساد إلى جسد الدولة العراقية الجديدة بعد العام 1921 وبقي أيضا مقتصرا على المؤسسة الأمنية خصوصاً جهاز الشرطة الذي كان بعض عناصره يموه أو يشترط رشوة غالبا ما تمر تحت مسمى الإكرامية أو الهدية التي قد تسبق أو تعقب إنجاز المهمة ولكن في الأخيرة يتمُّ دس قطعة نقدية في جيب الشرطي تصيبه بالفرح وبالخيبة أحيانا أخرى عندما يكتشف متأخرا أنها ليست سوى قطعة معدنية تسمَّى بالعراقي (الواشر)! في حين أن هذه السلوكيات لم تكن موجودة عند شاغلي وظائف الدولة في المؤسسات الأخرى ألّا ما ندر، وكان الموظف يترفع عنها كلما ارتفع مركزه اعتزازا منه بنفسه وترجمة لشعوره بالمسؤولية الأخلاقية – الوطنية.. عموما قد يتعدى الفساد مجرد الحصول على مبلغ مالي من قبل الموظف الرسمي لقاء تقديم منفعة هي حق أو غير حق لطالبها، كما وقد يصل الفساد إلى حد الخيانة كما حدث حين أقدم أحد ضباط الجيش الكبار على تلقي مبلغ مالي ضخم من المخابرات البريطانية مقابل التأخر في تنفيذ أمر الزعيم عبد الكريم قاسم بإعادة ضم الكويت العام 1961.. على أية حال يبدو أن المرحلة السياسية التي تشكلت بعد انقلاب 8 شباط 1963 مثلت مرحلة مهمَّة في انتشار الفساد الإداري والأخلاقي داخل المؤسسات الأمنية وذلك لأسباب تقف في مقدمتها التغيرات الاقتصادية والصراعات المحتدمة على السلطة والتي لم تتوان الجهات الدخيلة عن توظيف جميع الأساليب خصوصا بعد أن تعقدت العلاقة بين الشعب والسلطة وأصبحت هنالك هوة جعلت رجل السلطة يتغطرس من جهة في تنفيذ حقوق المواطن وجعلت المواطن يخشى بطش رجل السلطة من جهة أخرى.. الجهات الدخيلة على السلطة أتسع نفوذها أكثر بعد العام 1968 والجهات الأمنية أصبحت أكثر عددا وأكثر سلطة وتعاليا وأصبح معيار الولاء السياسي والتعامل على أساسه دافعا أكبر لممارسة الطرف الأول للفساد واضطرار الطرف الآخر له في بعض الأحيان، غير أن استمرار انفصال السلطة السياسية وجهازها الأمني عن الشعب خصوصا بعد العام 1979 وعسكرة المجتمع بعد العام 1980 جعل أخلاق وقيم هذه المؤسسة -الحاضنة للفساد- تنسحب بشكل خطير إلى مؤسسات الدولة المدنية، فضلا عن تدخل وانتشار عمل وأخلاقيات المؤسسات الحزبية التي كثيرا ما كان تبتز المواطنين البسطاء والذين بدورهم يلجؤون -مضطرين أحيانا- إلى مقابلة فسادها بفساد آخر بغية التنفع أو درء شرها فكانت الرشى التي يتلقاها المسؤول الحزبي في المحلة والتي يتلقاها الضابط في جبهة القتال إضافة إلى اتساع ما كان يحدث في دهاليز مراكز الشرطة ومديريات الأمن يمثل طفرة خطيرة في انتقال الفساد إلى مرحلة جديدة.. ولكن ما شهده العراق بعد العام 1991 يمثل النقلة الخطيرة في ما يخص تحول الفساد إلى ثقافة اجتماعية وقانون غير مشرع في مؤسسات الدولة بعد أن دفع الانهيار الاقتصادي الجهاز البيروقراطي العريض في جميع مؤسسات الدولة إلى ممارسة كل أنواع الفساد الإداري بغية توفير لقمة العيش وما ساعد على ذلك اتساع رقعة هذا الجهاز في العقدين السابقين وسياسة التنكيل بالمواطن البسيط والتعامل معه بعيدا عن مقاييس المواطنة مما قتل في داخله روح الوطنية والانتماء لهذا البلد الذي انحسر أمامه في شخص واحد! ولا يفوتنا هنا بروز الشخصية غير المؤهلة عن طريق تسمنها المناصب الرسمية أو عن طريق تفوقها الاقتصادي الذي ساعد أيضا على استشراء الفساد وذلك استنادا لما تتصف به ثقافة هذه الشخصية من عدم قدرتها على الفهم الصحيح للقيم المدنية ووضعها في أولوياتها التفوق والسيطرة كما أنها تحاول من خلال مالها أن تشتري المسؤول لتسد ثغرة تزعج نفسيتها!
بعد تشكل الدولة العراقية على أسس جديدة العام 2003 وبعد الارتفاع الهائل لمدخولات العراق النفطية والانفتاح الإعلامي السريع على قيم وأخلاق الرأسمالية من ربحية تنافسية وإغراء استهلاكي، أخذ الفساد بعدا مختلفا يزخر بكل ما هو مدمر للعراق ليس من ناحية البناء والإعمار والتقدم المرجو أو من ناحية توفير لقمة العيش فقط وإنما من ناحية سلامة حياة المواطن العراقي.. فقد أصبح للفساد رعاة في بعض المؤسسات الرسمية وهؤلاء يؤسسون لهم شبكة طفيلية مرتبطة بمنافع خاصة لا يمكن للقانون أن يطولهم في ظل عملية ونظام سياسي قائم على تقسيم الحصص النفعية .. ويستمد هذا الفساد خطورته أكثر من كونه يحكم شعبا ودولة هو في حرب مصيرية مع إرهاب لا يرحم وبالتالي فقد ادى الى اصابة بعض مفاصل الدولة بهذا الفساد.
ظل الفساد يحصد أرواح العراقيين في ما يخص أجهزة السونار الخاصة بكشف المتفجرات أو غيرها.. ولعل أغرب ما في فساد بعد 2003 أن الموظف كلما زاد في فساده زادت مكافآته وترقيته أكثر، كما انه ولاتساع ظاهرته استطاع أن يشكل طبقة اجتماعية طفيلية أمست تمثل أخطر ثقافة فرعية مضادة في جسد الثقافة العراقية خصوصاً، وهي تتستر باللباس والصوت الديني المقدَّس وممارستها للفساد
ليس لسد رمق عيالها وإنَّما كي ترضي غرائز مريضة بمبالغ تكفي لإشباع ملايين العراقيين الذين يكافحون
تحت خط الفقر أو يعيشون في خيام العراء.