Pdf copy 1

ناظم محمد العبيدي 
يتكرر السؤال طيلة السنوات الماضية حول التغيير الذي كان لابد ان يرافق المرحلة الجديدة ، فهل حصل التغيير الثقافي لدينا لينهض بالواقع مثلما طمح الكثيرون؟ 
يمكن الحديث مطولاً عن أحلام التغيير الثقافية ، وما آلت اليه حين أصبح الواقع صخرة عصية لا تسمح بنفاذ الضوء عبر حجب التقاليد وما اعتاد عليه الناس طيلة حقبة الإستبداد ، وبدا للكثيرين أن سقف المطامح كان عالياً مع امكانات ما هو قابل للتحقق فعلاً في حياتنا الثقافية ، ولأن الأحلام كما يقال هي أحلام ولا تبنى على قراءة المعطيات بدقة ، فإنها ذهبت بعيداً واغفلت بعض الحقائق المتعلقة بطبيعة الثقافة العراقية ، فلا يمكن عزل الجهد النظري عن الحراك الإجتماعي المرتبط بعوامل تاريخية واجتماعية وسياسية ، كل هذه العوامل تشكل وحدة لا يمكن فصل عناصرها الا على سبيل الإفتراض والتوهم ، ولكن المسعى الثقافي بمعناه العميق ليس بوسعه التخلي بطبيعة الحال عن وظيفته المرتبطة بالوجود ذاته.
 وهذا ما يقودنا الى الحديث عن جهود فردية متميزة ، وعن صيرورة اجتماعية تحاول الإفلات من قيود تعترض تقدمها.
اذ لا يمكن هنا تجاهل الإشارة الى تلك القوى التي تحمل ثقافة الإستبداد بكل ما فيها من تشوهات وتخلف حضاري ، فليس الإستبداد ـ كما هو معلوم ـ سلوكاً حكومياً لحاكم مستبد ، بل هو منظومة كاملة تأسست على نحو لا يمكن فصلها عن جذورها العميقة ، لأن من بديهيات المنطق التاريخي أن ليس بوسع أي نظام أن ينبثق من فراغ مطلق ، بل هو مظهر لثقافة وتقاليد موروثة غير قادرة على الإنفتاح وممارسة النقد لذاتها من اجل التجاوز والمواءمة مع طبيعة اللحظة الحضارية لعالم اليوم ، وللتمثيل ان ما نراه اليوم من تطرف وارهاب انما هو تجسيد صارخ لتلك الثقافة التي افرزت لدينا كل هذا الخراب والنكوص الحضاري ، أمام هكذا اشكاليات كبيرة كان على الثقافة العراقية مواجهة واقعها بكل تعقيداته ، ولعل اصعب ما يمكن رصده هو المساحة الحقيقية المتاحة للفعل الثقافي ، داخل نسق يراد له البقاء تحت سلطة القوى المعادية للتغيير ، ثمة خوف غريزي لديها من فقدان معنى وجودها المرتبط بثقافة اصبحت خارج التاريخ ، والتعبير الأمثل لها هو السكون خارج المتغيرات ، لهذا فإن ما تواجهه الثقافة في عملية التغيير يحتاج الى الكثير من الشجاعة ، لأن الخطاب المستند الى طبيعة الإستبداد لن يسمح بالانفتاح على الخطابات الأخرى التي تشكك بمعقوليته وهشاشة وجوده اذا ما وضع على طاولة النقد والمراجعة ، والشيء المهم هنا والذي يدعونا الى النظر الى المستقبل بشيء من الأمل هو ان للتغيير جانباً حتمياً لا يمكن ايقافه في أية ثقافة او مجتمع من المجتمعات في العالم ، في مساحة مفتوحة قربت فيها تكنولوجيا الإتصالات بين كل الثقافات والخطابات المختلفة.

التعليقات معطلة