Pdf copy 1

عادل العامل
لا يمكن تفسير استمرار التنظيمات الإرهابية بانتهاج أسلوب العنف الدموي الشامل، برأيي، إلا بأمرين: إما النزعة العدمية لدى أفراد هذه التنظيمات وقياداتهم، التي تتساوى لديهم فيها مسألة الحياة والموت لأسبابٍ تعود إلى تعقيدات طفولتهم وتكوينهم السايكولوجي وظروفهم الشخصية والاجتماعية، وليس إلى التبريرات الدينية التي يدّعونها، وإما الخلل العقلي الذي يصوّر لهم أنهم يستطيعون بإرهابهم الدموي أن يحققوا دولة خلافة لا تنسجم سراويلها، ولحاها، ولغتها المتخلفــة، وتهدّجــاتها الصوتية المتمارضة، ورايتها المشؤومة، وتعاملها الوحشي، وكل ما يتعلق بها، باختصار، مع طبيعة العصر، محلياً وعالمياً.
ذلك أنهم كي ينجحوا في مسعاهم هذا لا بد لهم قبل كل شيء من إعادة الزمن إلى الوراء في جميع تفاصيل العصر من أجل أن تكون هذه التفاصيل منسجمة مع طروحاتهم الفكرية وإمكانية نجاح هدفهم الرئيس، بالتالي. ومَن يستطيع، يا تُرى، أن يعيد الزمن إلى الوراء ويلوي عنق الواقع ليكون متفقاً مع ما يريد؟!
لو كان لدى هؤلاء شيء من السلامة العقلية بمستوى إصرارهم على الموت العبثي، لنظروا أولاً إلى التجارب التاريخية المماثلة في طابعها لتجربتهم وأخذوا العبرة من مصيرها المأساوي الفاشل. ولكانوا، ثانياً، أذكى في توجههم “الجهادي” وسلوكهم العملي بحيث ينتهجون المسار السياسي طريقاً لهم ويكونون قوةً ضاغطة على أنظمة الحكم القائمة في بلدانهم لإرغامها على تعديل سياساتها للصالح العام، وكسب ود الناس ونصرتهم من خلال ذلك لدعم مشروعهم “الديني”، وتسهيل أمر وصولهم إلى السلطة سلمياً بطريقةٍ ما، بدلاً من طريقة “عليّ وعلى أعدائي يا رب”، التي لم تحقق لأحدٍ مبتغــاه على مر العصور. 
إن توحّش هؤلاء الإرهابيين وتضحيتهم بأرواحهم وتدميرهم لكل قدراتهم وإمكاناتهم المادية والفكرية هو في حقيقته خسارة فادحة أيضاً لهذه الشعوب التي خرجوا عليها، بقدر الخسارة التي تُصاب بها هذه الشعوب نتيجة لجرائم القتل والتدمير التي يرتكبونها ضدها.
 فالخسارة هنا مضاعفة والمصاب بها واحد، البلد أو الشعـب المُصاب ببلاء الإرهـاب. وليس هناك من مستفيد إلا الجهة الخارجية التي درّبت ومولت ودفعت بهذه القطعان المتوحشة إلى ساحة هذا البلد أو ذاك تحقيقاً لفائدةٍ ترجوها من ذلك، إن كانت هناك جهة من هذا النوع فعلاً.وليس أمام حكومات هذه البلدان، سواء وجدت هذه الجهة الشريرة أم لم توجد، إلا سبيل واحد للنجاة من هذا الوباء المهلك أو التخفيف منه تدريجياً في الأقل: أن تُصلح حال أوضاعها بحيث لا يكون هناك عامل مساعد على نشوء الإرهاب أو حاضنةٍ له فيها. وبقدر ما هو حل واضح وبسيط، بقدر ما هو شائك وصعب للغاية إن لم يكن هناك لدى الفئة الحاكمة استعداد للتضحية بالامتيازات، وتنازل عن الاستئثار بالسلطة، ومساواة في الفرص والمنافع والحقوق أمام جميع مكونات الشعب وأفراده، فعلاً وليس مجرد طبطبةٍ على الأكتاف، وبوس لحى، وشعارات لا تُسمن ولا تُغني من جوع!.
فإن تحصل على شيء في ظروفٍ لا تسمح إلا بذلك خيرٌ من أن تخسـر كل شيء حتماً، أنت والمرتبطــون بك من هـواة السلطة والمال والنفـوذ، وان تتســبّـــَب في الأذى لعـامــة النـاس. فأين الطاغية صدّام حسين واخوانه وأبناؤه وبناته وقصوره وقواته و”ملياراته” وسطوته وخيَلاؤه و”عراقه” ورفاقه وجنرالاته وخدمه وحشمه ومرتزقته وكتّابه وكلابه وألقابه؟

التعليقات معطلة