علي حسن الفواز
تضع الإجراءات السياسية التي إتخذها الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء المشهد السياسي العراقي أمام واقع جديد، وأمام صراعات جديدة ليس بين فرقاء المشهد، بل بين ارادة تمثل السكون والنمطية، وإرادة تسعى للتغيير، وإطلاق فعالية مواجهة حقيقية مع سياسات التضليل والتعويم والإفساد، وبإتجاه شروع عملياتي نحو تبني خطاب الدولة المدنية..
هذه الإجراءات تعكس وجود أزمة عميقة، مثلما تعكس ضرورة حياة إرادة حقيقية للتغيير والإصلاح، لاسيما وأن مسار الدولة العراقية قد أخذ في السنوات الأخير إتجاها معقدا، إحتدمت فيها الصراعات بين الكتل السياسية، وتفاقمت داخله روح المنافسة غير النزيهة، وبات الفساد ظاهرة مرعبة في ال( سسيولوجيا السياسية) والتي  وجدت لها من ينظمْها، ومن يحميها، حتى بتْنا في زمن أقرب الى مرحلة(القطط السمان) التي وضعت البلد  أمام مستقبل غامض ومجهول، وأمام تضخم مرعب للصراعات والمحاصصات، وتحت عناوين شتى.
إرتباط إرادة التغيير بالشارع العراقي أعطى زخما قويا لإجراءات السيد العبادي، في توقيتها وفي طبيعة رسالتها، وفي تعاطيها مع ظواهر عشش فيها للأسف الكثير من مقاولي السياسة، وصنّاع الأزمات، بما فيها الأزمات الأمنية، والأزمات الإقتصادية..كما أن إرتباط هذه الإرادة بالموقف الحازم للمرجعية الدينية في النجف أعطى وجها شرعيا لفاعلية التغيير والإصلاح الحقيقي، وأكسب قوتها دافعية، وإجراءتها مشروعية، وهو مايعني إستدراكا لما ينبغي إستدراكه كما تقول القاعدة الفقهية لإعادة الثقة بالمسار السياسي الوطني، وبهوية الدولة المدنية، ولإبراز قوة الأمة في لحظات المواجهة الحرجة..
توجيه المسار بالإتجاه الصحيح لايعني أن الامور ستكون بأمان كامل، بقدر ما أن تكون  أمام هذه الإجراءات الكثير من التحديات والرهانات، وهو ماينبغي الوقوف عنده، لاسيما وأن البعض يضع معوقات دستورية، والبعض الآخر يراهن على المعوقات التي لها علاقة بالطابع التوافقي الذي قامت عليه العملية السياسية، رغم أن طابع أغلب هذه الإجراءات يدخل في صلاحيات السلطة التنفيذية، لكنها غير مُفعلة!! كما أن من صلاحيات رئيس الوزراء الدستورية إتخاذ الكثير من الإجراءات التي تدخل في إطار حماية الأمن الوطني، وأحسب أن مانواجهه الآن من وقائع تهدد الأمن الإقتصادي والسيادي، لاسيما مع خطورة التهديدات الأمنية، وفتح جبهات الإستنزاف العسكري والإقتصادي والخدماتي..
حقيقة هذه الإجراءات تضع رهانها أيضا على خطورة المشكلات العامة، وعلى ما  يتعلق بتوصيف الفشل السياسي، وعجز الجهاز المؤسساتي من النهوض بمهامه، خاصة في الجانب الخدماتي، ومعالجة أزمة الكهرباء التي عاشت اكثر من عقد دون إجراءات حقيقية، رغم الميزانيات  الضخمة التي تم تخصيصها لها، كما هو الفشل في صناعة مؤسسات وطنية لها هويتها الجامعة، فضلا عن خطورة هشاشة إدارة ملفات خطيرة، مثل الملف النفطي، والملف الأمني، وهما ملفان ظلا مفتوحين على الكثير من الخروقات، والتدخلات، وهو مايؤشر في جوهر الضعف السياسي في تكريس الهوية الإتحادية للدولة..كما أن خطورة هذه الإجراءات تمسّ منظومة من التشكلات الخارجة عن التوصيف المهني للدولة، والتي وجدت شرعنتها عبر نظام التوافق السياسي، وعبر طبيعة المحاصصة التي جعلت الدولة أشبه بالشركات القابضة، لذا سيجد السيد العبادي نفسه أمام تحديات كبيرة، وأمام مواقف مترددة قد ترضخ للشارع، لكنها غير مؤمنة بهذه الإجراءات، وستعمل بالسر على تعويقها وإفشالها، وهذا مايجب أن يُدرك، وأن يُعمل على مأسسة وقوننة هذه الإجراءات، وإيجاد الدعامات المادية لها، فضلا عن إيجاد معالجات واقعية للمشكلات التي تحدث جراء تنفيذ هذه الإجراءات، لأن الواقع العراقي ليس( سهلا) ومن الصعب التوافق على إجراءات تمسّ الكثير من مصالح الكتل السياسية وأحزابها وجماعاتها، لاسيما مع تضخم ظواهر المستشارين الفضائيين وأفواج الحمايات الكبيرة، والوظائف المحاصصاتية، والتي كانت تكلّف الميزانية الإتحادية مبالغ خيالية، كما أن ملف إقليم كوردستان يحتاج هو الآخر الى مواجهة واقعية، ومسؤولة، على مستوى الصلاحيات الدستورية، وعلى مستوى ملفات النفط والضرائب والبيش مركة والمنافذ الحدودية والسياسة الخارجية، والتي كثيرا ما تسبب حرجا لمشروعية الدولة الإتحادية وصلاحياتها..
الدولة والحكومة..
ثمة من يضع هذه الإجراءات في خانة الحكومة، وأنها تحتاج الى شرعية من مؤسسات الدولة الأخرى القضائية والتشريعية، وهذا الفصل الإيهامي مابين السلطات سيكون من الحلقات الخطيرة التي يراهن عليها البعض من الفاسدين ومن سياسيي الأزمات، وهو ما يستدعي تداركه من خلال تشكيل لجان قانونية لها خبرة في الفقه الدستوري لمعالجة أي ارباك قد يحدث في هذا الجانب، وقراءة الدستور على وفق مايمنحه من صلاحيات حقيقة للسلطة التنفيذية، وبعيدا عن المزايدات والتهويلات والقراءات القصدية، فضلا عن ضرورة أن تأخذ هذه الإجراءات طابعا شموليا، على مستوى معالجة كل الملفات العالقة، وليس الإكتفاء بملف الخدمات فقط، لأن الأزمة الحقيقية في العراق هي أزمة سياسية، وأن صنّاع الأزمات والفاسدين في العراق هم من السياسيين، والذي عمدوا على صناعة مؤسسات خاصة لهم تضخمت على حساب الدولة والحكومة، وعلى حساب المال العام، وعلى حساب قوة الدولة وحضورها في المحافل الإقليمية والدولية..
كما أن ضعف إدارة الملف السياسي إنعكس بشكل خطير على السياسة الخارجية، وعلى إدارة مصالح العراق في الخارج، ومسؤوليات إبراز هويته الجديدة، وهو مايحتاج الى سلسلة من الإجراءات الفاعلة والجريئة، لكي تقف بوجه فساد إختيار السفراء وادارة القنصليات والموظفين، ووضع معايير لذلك وعلى أسس واضحة من المهنية والعلمية، وبعيدا عن المحاصصة  التي حولت السفارات في الخارج الى دول داخل الدول، وأحسب واحدا من أخطر الملفات التي تحتاج الى إصلاح حقيقي وعميق.. 

التعليقات معطلة