Pdf copy 1

علي حسين عبيد
عندما بلغ السيل الزبى، بعد أن يئس الشعب من تحقيق أبسط شروط العيش الكريم، وبعد أن تأكد الجميع أن المسؤولين لا يعنيهم أمر الشعب العراقي، لم يبق سوى اللجوء إلى المثل المعروف (آخر العلاج الكيّ)، ولأول مرة تلجأ المرجعية الرشيدة إلى هذه الدرجة القصوى من الوضوح في التحذير للجهات الحكومية التي تقود العراق، وكان كلام المرجعية واضحا ودقيقا، عندما طالبت بوضوح لا يقبل اللبس، رئيس الوزراء حيدر العبادي، باتخاذ الخطوات الجريئة لمعالجة أوضاع البلاد المتدهورة.
وركَّزت المرجعية الرشيدة على تحقيق الأهداف التالية: 
أولا- التصدي للفساد وشبكاته كافة بقوة، وتم توجيه الكلام مباشرة إلى الرجل الأول في السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء حيدر العبادي)، وعليه (الضرب بيد من حديد)، على رؤوس الفاسدين والمفسدين وشبكات الفساد بكل أنواعه.
ثانيا- طالبت المرجعية الرشيدة أيضا، رئيس الوزراء باعتماد الكفاءة قبل أي معيار آخر في اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب.
ثالثا: عدم الانصياع إلى المحاصصة السياسية أو الطائفية أو مساندة الأحزاب والساسة للعناصر الفاسدة والمفسدة، فينبغي ملاحقة المسؤول الفاسد، بغض النظر عن طائفته أو أثنيته، او قربه من السلطة التنفيذية او سواها.
رابعا- أن يكون المسؤول التنفيذي الأول في العراق (رئيس الوزراء) جريئا في تطبيق البنود أعلاه، وسواها. 
لاسيما أن البطالة تضاعفت وتزايدت أكثر وأكثر، ليكون وقودها الفقراء الذين ذهبت فرص تعيينهم إلى أبناء وأقارب المسؤولين الحكوميين، ولم تكتف الطبقة الحاكمة بكل الامتيازات التي حصلت عليها، عبر التشريع الخاطئ، فأخذت تتجاوز على المال عن طريق الاختلاس وغسيل الأموال، وعقد الصفقات المشبوهة، وشراء الذمم، والتجارة المشبوهة والفاسدة، وما إلى ذلك من طرق احتيال لجمع السحت الحرام من حقوق الشعب.
كل هذا وسواه من حالات الفساد المستمرة، لم تترك خيارا للشعب، غير الانتفاض مرة أخرى، بعد أن انطلقت الشرارة في البصرة من الجنوب، عندما تظاهر عدد من مواطني البصرة، مطالبين بحياة كريمة وقليلا من الطاقة الكهربائية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة، فما كان من الرد إلا بقتل الشاب 
(منتظر)، وجر عدد آخر من المتظاهرين، الأمر الذي شكل استهتارا بكل 
القيم الوطنية والأخلاق والتعامل المسؤول.
فكان استشهاد (منتظر) في البصرة، نقطة انطلاق لتظاهرات شملت العاصمة بغداد ومعظم محافظات العراق في الوسط والجنوب، الأمر الذي شكل نقطة تغيير في مجريات الأمور، لاسيما أن البلاد تخوض حربا متواصلة مع عدو إرهابي شرس، متمثلا بتنظيم داعش الذي يحاول توسيع مناطق نفوذه في العراق، وهكذا أعلنت المرجعية الرشيدة موقفها الواضح من الوضع الخطير الذي يمر به العراق حاليا.
لذا لم يبقَ أمام السيد العبادي، سوى (الضرب بيد من حديد) على أيدي الفاسدين، ولابد أن يخطو الرجل التنفيذي الأول في السلطة، نحو اتخاذ قرارات فورية حاسمة للإصلاح، وضرب الفساد، واعتماد معايير الكفاءة أولا في إدارة الوزارات ومؤسسات ودوائر الدولة كافة، فلا يجوز بعد اليوم أن يتم منح أي منصب كان لكائن من كان على أساس الانتماء الحزبي لهذه الكتلة أو تلك، او لهذا الحزب وذاك، بل كفاءته ومؤهلاته وذكاؤه وخبرته هي المعيار الوحيد لاستلامه هذا الموقع الوظيفي او ذاك.
بقيت تساؤلات مهمة تدور في أروقة الطبقة السياسية نفسها، والمراقبين، والمواطنين أيضا، هل سينجح السيد العبادي في مهمته الصعبة هذه، وهل سيكون قادرا على إخراج العراق من أزمته الحالية الخانقة، وهل يمكن للعبادي، ان يكون قويا وجريئا بشكل تام، وهو مكبل بالمحاصصة والانتماء الحزبي والطائفي والاثني وما شابه؟؟، وهل يمكنه أن يكون أمينا وقادرا على تنفيذ توصيات المرجعية الرشيدة الحاسمة. لا شك ان هذه المهمة بالغة الصعوبة والتعقيد، ولكنها ليست مستحيلة، وما على السيد العبادي سوى الشروع المدروس، باتخاذ الخطوات الإجرائية اللازمة للحد من الفساد، وإعلان خطة الإصلاح، التي ينبغي أن تعطي أكلها بصورة سريعة ودقيقة، لاسيما ما يتعلق بالخدمات الأساسية، والإصلاحات السياسية والاقتصادية. مع أهمية أن يدعمه الحزب والكتلة التي ينتمي لهما، بل ينبغي أن تدعمه الطبقة السياسية كلها بما في ذلك المختلفون معه في الرؤية والأفكار وما شابه، كي ينجح في مهمته الخطيرة هذه، لأن نجاح السيد العبادي في هذه المهمة، هو الطريق الوحيد المتاح للخروج بالعراق من (كارثة)، تتهدد وجوده وكيانه وتاريخه وحاضره بالكامل.

التعليقات معطلة