جانان جانيش 
المدينة لديها أعداء أخلاقيون. في العصور القديمة والحديثة، بين المحاربين الدينيين وأتباع العقائد العلمانية، كانت الحياة الحضرية تقارن بصورة لاذعة بالإباحية الجنسية، والمادية المشوهة. لقد تمت إدانة بابل. والخمير الحمر أفرغوا العاصمة فنوم بنه. ومزق تنظيم القاعدة خط أفق من صنع الإنسان. لقد تم توثيق هذا العداء في كتاب بعنوان Occidentalism، وهو عبارة عن تأريخ للفكر المعادي للغرب من اليابان إلى ألمانيا، تم تجميعه بعد آخر الأحداث المذكورة على يد الكاتب إيان بوروما والباحث أفيشاي مارجاليت. إذا كانت المدينة عبارة عن ليبرالية متجسدة، فإن المناهضين لليبرالية يعرفون أنفسهم على أنهم أعداء لليبرالية. وهذا يشمل المحافظين المسالمين بشكل أمين في الديمقراطيات الحديثة، الذين يتبين أن أنماط تصويتهم هي الأقوى في المناطق الريفية والمدن الصغيرة. وفي تصويرهم للخصوم بأنهم من الشياطين، الخصم لن يكون أبدا مجرد “النخبة”، ولكن “النخبة الحضرية”. لندن في القرن الحادي والعشرين تملك عديدا من الأعمال البطولية المربكة لاسمها. من بينها توجد إثارة العداء من اليساريين الليبراليين، أيضا. الخطابات الطويلة ضد هذه المدينة هي الآن أكثر شيوعا في صحيفتي “الجارديان” و”نيويورك تايمز” مما هي في صحيفتي “التليجراف” و”الميل” المحافظتين. المظالم مألوفة بقدر الأصدقاء القدامى: أسعار المساكن، وعدم المساواة، وأصحاب المليارات الأجانب من ذوي الفضيلة المشكوك فيها، وجعل الأحياء الشجاعة بمنزلة سلعة، ونهب الأفق. يسجل الكتاب وقائع قراراتهم المؤلمة لمغادرة العاصمة، كما لو أن مشهد الآباء في منتصف العمر الذين يغادرون المدينة الكبيرة هو أمر غير مألوف. منذ أن وجد اليسار الليبرالي كان مؤيدا للمدينة، ومن المدينة. الحركات الإصلاحية نشأت من الحياة الحضرية التي وضعت المفكرين بجانب بعضهم على مسافة قريبة بما فيه الكفاية لتبادل الأفكار، وجذبت المهاجرين لعرقلة طرق التفكير القديمة. بالتالي، من المهم أن هؤلاء الأشخاص ينقلبون الآن على المدينة الحديثة، أو جوانب معينة منها. وهذا يدل على أن عوامل استيائهم تتلاقى على نحو متزايد مع استياء الرجعيين. كل جانب منهما يرى المدينة، ولندن أكثر من أي مدينة أخرى، على أنها مرحلة للفردية غير المقيدة. عندما يشعر أي شخص محافظ بالرعب من الهجرة الجماعية وعندما يغضب الديمقراطي الاشتراكي من الأثرياء جدا، المحميين، فكلاهما يهاجم شكلا من أشكال الحرية الشخصية.
لندن الحديثة هي الليبرالية – أو “الليبرالية الجديدة”، إذا أردنا استخدام الكلمة الدارجة لكل متطرف مراهق مخادع – في الأعالي. لقد أخذت حرية انتقال الأشخاص، والبضائع، والخدمات، ورأس المال، والأفكار إلى أقصى جوانب التطرف الفوضوي الذي قد لا تكون له سابقة.
بإمكان أي شخص الحديث عن الحرية والتنوع بإسهاب؛ والعيش هنا بمنزلة اختبار عملي لالتزام الشخص بهذه الأشياء. لا يوجد ما هو غريب، أو مخجل بشأن فشل بعض الناس – التغيير الاجتماعي عالي السرعة لا يستوعبه الجميع – لكنه أمر مهم أن “التقدميين” الذين يجاهرون بتقدميتهم من بين هؤلاء. عادة ما يكون المتشككون في التنوير هم من يرى الخطيئة في المدينة. سيقول اليساريون الهاربون إن لندن هي التي تغيرت، وليس هم. الحقيقة هي أنهم أيضا قد تغيروا. بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون بموجب فكرة التقدم، فقد حصلوا على موهبة النظر إلى الماضي. إذا كان لدى اليمين أي حنين إلى الماضي على الإطلاق، فهو لم يعد كذلك. كل بيان يسيء إلى ما أصبحت عليه لندن يجعل نسخة السبعينيات من المدينة ذات طابع رومانسي، عندما كانت منطقة هامبستيد بأسعار معقولة للمهنيين في القطاع العام، ومنطقة إيست إند تخلو من فنادق تحمل عدة نجوم في كتب ميشلان السياحية، وكل شيء كان عمليا بشكل آسر، حيث إن الأشخاص الذين يغادرون هم أكثر من الذين يصلون عاما بعد عام. الأمر الذي يثير فعلا غضب المحافظين من اليمين واليسار هو أن المكان يمكن أن يكون متراخيا جدا وناجحا جدا. الفجوة تتسع بين قصة لندن التي يعرفها المطلعون والواقع العملي للنمو الهائل. بعد أن تجاوزت أخيرا ذروتها في كل وقت بعدد سكان يبلغ 8.6 مليون نسمة، من المتوقع أن يتجاوز سكان المدينة تسعة ملايين شخص بحلول نهاية العقد. لندن الداخلية والخارجية، من الشرق والغرب، تمتلئ. بين عامي 2001 و2011 – الأعوام الوثنية، حسب بعض الحساسيات – منطقة واحدة فقط من المناطق الـ 32 (كينسينجتون وتشيلسي) تكبدت خسارة صافية من السكان.
أسطورة شوارع لندن المليئة بالأشباح، والمهجورة لحراس الأمن المرهقين، الذين يشعرون بالملل بسبب الروس الغائبين، أصبحت واحدة من تلك الأجزاء التافهة الصغيرة للكلام الفارغ الذي استقر في عقيدة حفل العشاء غير القابلة للطعن. ويؤمن بها ذلك النوع من الأشخاص الذين يعتقدون أن الأطباء الأمريكيين يتحققون من الجدارة الائتمانية لمرضى الحالات الطارئة قبل منحهم أي علاج لإنقاذ حياتهم. النوع نفسه هو الذي يتوق إلى لندن القديمة، التي كانت تخلو بالفعل من السكان. الوقاحة هي الكلمة المناسبة لذلك. لو أن لندن ملائمة فقط للأثرياء، عندها المهاجرون الفقراء، والبريطانيون القادمون من أجزاء أخرى من البلاد، والسكان المقيمون الذين يختارون إنجاب الأطفال هنا، لا بد أنهم جميعا قد وقعوا فريسة الوعي الزائف. البديل – الذين يتخيلون بحق فرصهم في فوضى إنتاجية لمدينة مفتوحة – من الصعب بشكل غريب أن يصدقه بعضهم. مع إنهاء بوريس جونسون أعوامه الثمانية التي قضاها في منصب عمدة لندن، سوف نبحث في جميع أنحاء لندن للعثور على إرث ملموس. سوف تعاني في سبيل العثور على الكثير. إنجازه هو ارتياحه مع ما تحولت إليه لندن خلال حياته. 
وفي حين أن كثيرين يبتعدون عن الجانب شبه العدمي للمدينة، إلا أنه يستمتع بها للغاية. لا يوجد هنا أي جزء من ميل بيل دي بلاسيو للحد من جوانب التطرف في نيويورك. باعتباره منسجما مع التاريخ، جونسون قد يتفق مع اليسار شديد الحساسية بأن القواسم المشتركة بين لندن وبابل (London and Babylon) هي أكثر من مجرد ثلاثة حروف. لكنه قد يعتبر ذلك بمنزلة إطراء.

التعليقات معطلة