هند جودات جودة 
يراقب شفاههم، يعرف أن شيئا يخرج من تلك الحركات التي تتأرجح بها وتتشكّل، تتكوّر مرة ، تنفتح، تنغلق، أو تنضغط فيما بينها الأسنان التي ربما تضغط على اللسان في أخرى!
هو أمام المرآة يجرّب أن يفعلها دون أن يعي كنه ما تعنيه!
الصمت لديه خارجٌ عن إرادته، هو فمه الذي يسكنه لسانٌ عاجز، يقع خلفه واد سمعٍ لا يجري فيه صوتٌ ولا صدى!
قبل عدة أيام أخذه والده في زيارةٍ لطبيب مختص، ذلك كان ضمن سلسلة محاولاتٍ متعددة امتدّت عبر وعيه، لإيجاد رواق واحد يمكن أن يمرّ فيه خيط صوت، دون جدوى!
يحاول بهمهماته الخروج من قمقم قهره تجاه كل ما لا يسمعه! بالسبابة يشير إلى ما يريد، بملامح وجهه يحاول رسم رغباته، بغضب مفتوح على شرفات صوت عصبيٍّ بدائيّ النبرة، كوحشٍ يُذبح!
يضيق أحياناً، يثور على نفسه، يرى في كل شيء حوله ما قد يثير الغضب، يمسك بأقرب شيء ويطيح به أرضاً، يهشمه، يلاحظ حركات أيديهم تجاه آذانهم ، تحديدا هذه الفتحات، هو لا يشعر بها، ما الذي يحاولون فعله حين يضعون بطون أكفهم هناك؟ ولا يجد عقله الإجابة؟
يدفع بالمزيد من الأشياء تجاه الأرض، أمّه تواصل إغلاق أذنيها ووالده يقترب منه، بسبابته المحذرة، المترنّحة ذات اليمين وذات اليسار..
هذه الإشارة تخفق في وجهه كلما فعل ما يستدعي انعقاد حاجبي والده! يحني رأسه ويعيد الطبق إلى رفّه الذي بدوره يراقب أيضا ولكن ببلادةٍ دائماً وبخرس أيضا كل ما يحدث هنا!
“ليس بالكلام وحده تعلن عن الإنسان فيك”، وليس الصوت وحده يشكّل إعلاناً عن الإبداع في الطبيعة، فالشمس تسقط في قاع البحر دون صوتٍ وتخرج من رحم الليل دونه..هو وجد في المركز التأهيلي الذي التحق به مؤخراً شيئا يجذب حواسه كمغناطيس!
اكتشف الريشة والألوان واستفزاز البياض، وحمله على العدو بالريشة فوق مساحات بيضاء لجعلها مخلوقة غير عاجزة عن السمع والكلام وربما البكاء والحلم!
لديه الآن أن يبصر، يلمس، يتنفّس، يتذوّق، فلسانه له فوائد أخرى سوى الثرثرة..
يترك للذاكرة أن تقذفه تجاه غضبه العتيق، تواصل ابتسامته اتساعها، أصابعه صارت تتقن فن الكلام الذي يجهله فمه وذاكرته، بخطوطه وألوانه صار يرصّع الفراغ بمعانٍ لا تستطيع اللغة أن تعبّر عنها، فقط، وفقط ريشته ما تفعل!
إحساسه المفقود بالصوت، جعل صرخة روحه على الورق كحدّة البرق في كشف اللون الرماديّ للغيوم أو اسودادها، ورغم غياب الرعد عن حواسه، لم تغب ألوان المطر ولا أقواسه الملونة.
يبتسم لنفسه من جديد، ينطلق تجاه مرآة مرسمه الخاص الذي جهزه له أبوه، ينظر بثقة تجاه معالمه، يخرج لسانه مداعبا، يكوّر شفتيه من جديد، يفتحهما، يضغط على اللسان، يحركه به بين شفتيه ويضحك، يضحك ، يضحك.

التعليقات معطلة