بغداد / المستقبل العراقي
تعمل عائلة كريم العبودي في مجال التجارة منذ عام 1960، شهدوا كل انواع العسر التجاري خلال عقود من العمل في هذا المجال، وبدأت تجارتهم تنتعش بعض الشيء بعد سقوط النظام الديكتاتوري، الى ان وصل الحال مرة اخرى لركود اقتصادي عدوه الاسوأ منذ عقود. العائلة تملك معامل لصناعة الزجاج والالمنيوم، استغنت قبل ايام عن 65% من موظفيها، واغلقت ستة مصانع.
هذا الحال الاقتصادي يبين ان العراق في حالة صعبة، وعجز واضح بالموازنة العامة ناجم عن تدني اسعار النفط، فضلاً عن التكلفة الباهظة للحرب على مسلحي «داعش».
في ظل الحرب الحالية، ركزت الحكومة العراقية على شراء الذخيرة فقط لمحاربة الإرهاب، فتعثرت أحوال الشركات والمصانع التي كانت تتعاقد مع الحكومة، لاسيما ان هذه الشركات تعتمد على عقود حكومية حصراً.
كريم العبودي 65 عاماً، أخذ نفخة عميقة من سيجارته وبعدها لبرهة قال «موظفو وعمال مصنعي لا يعملون شيئاً سوى شرب الشاي وقراءة الصحف».
في مطلع عام 2014، بدأ يعاني العراق من التراجع الاقتصادي الخطر، لاسيما بعد فقدان الحكومة مساحات شاسعة من اراضيها إثر هيمنة مسلحي «داعش» عليها، وتفاقم انخفاض اسعار النفط مع تفشي حالة الفساد في ميزانية العراق، التي تعتمد فيها على عائدات النفط بنسبة 95%.
في تموز الماضي، بلغت عائدات النفط العراقي نحو 31 مليار دولار، وفقاً لارقام وزارة النفط، وهذا الرقم هو اقل بـ 3 مليون دولار من العائدات الطبيعية للعراق في الشهر الواحد، ناهيك عن تمتع المنطقة الشمالية ببيع النفط بشكل مستقل بمعزل عن الحكومة المركزية.
ميزانية العراق المصادق عليها كانت 102 مليار دولار، وبعجز حوالي 21 مليار دولار، فضلاً عن تخصيص حكومي بمبلغ 27 مليار دولار لوزارة الدفاع، ويمكن ان تحتاج الوزارة الى المزيد من الاموال في ظل حربها ضد التنظيم الإرهابي.
ويقول نائب في البرلمان العراقي ان «بقاء الوضع على ما هو عليه سيؤدي الى عواقب وخيمة ما لم تكن هناك بدائل سريعة». في السابق كان الدينار العراقي الواحد يعادل ثلاثة دولارات، وبوصول الدكتاتور صدام حسين الى السلطة، الذي اعتمد على ثروة العراق النفطية بجني الاموال، بدأ اقتصاد البلد يعاني في ظل العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الامم المتحدة بعد الحرب في عام 1991. واصبح الدينار العراقي متدنياً جداً، فكان كل 3000 دينار تعادل دولارا واحدا فقط. وبحلول الغزو الاميركي على البلاد في عام 2003، اصبح كل 1.116 دينار يعادل دولارا واحدا، كما بلغ معدل التضخم السنوي نحو 2%. مثل غيرها من الشركات، ازدهرت شركة العبودي بعد الاطاحة بنظام صدام، فحظيت بعقود من الحكومة وبدأت بتمويل وتجهيز الحكومة بما تريده في خطوة لتشجيع الانتاج المحلي، لكن العنف الطائفي في عامي 2006 و2007، اضرا بالاقتصاد، فضلاً عن غياب التيار الكهربائي الذي دفع اصحاب الشركات للاعتماد على مولدات الديزل لتشغيل المكائن، وهذه المولدات ايضاً تكلفتها باهظة جداً.
اليوم الحكومة اوقفت انفاقها على المشاريع، مثل البناء وغيرها من العقود الاستثمارية، ووفرت اموالها لجيشها لمحاربة ارهابيي «داعش»، منذ هيمنتهم على مناطق من العراق. ويقول العبودي، كان الدعم الحكومي للشركات بنسبة 65%، ولكن منذ تدهور الوضع الامني وسقوط الموصل، بدأت تدابير التقشف وانخفاض معدل العمل الى الصفر في الشركات.
ويخطط العراق الآن، لطرح سندات بقيمة 7 مليار دولار، 5 مليارات تذهب للمصارف الحكومية، ومليارين للبنوك المحلية لتضييق حالة العجز، فضلاً عن حراك الحكومة نحو الحصول على قروض من البنك الدولي بقيمة مليار وسبعة ملايين دولار، و833 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، ناهيك عن فرض الضرائب الجديدة.
سحّاب عوض، رجل أعمال بنى مشروعاً للاسكان في محافظة ميسان جنوبي العراق، بلغت قيمته حوالي 33 مليون دولار، ما تزال الحكومة مدينة له بحوالي مليونين ونصف المليون دولار، فضلاً عن اضطرار عوض للتخلي عن مشروع إسكاني آخر في مدينة الفلوجة، بعد هيمنة مسلحي «داعش» عليها. ويضيف عوض متحسراً، بعنا خصائصنا ومشاريعنا، وسرّحنا حوالي 90% من الموظفين وما زالت الديون متراكمة علينا، فكانت لدينا طموحات كبيرة لتطوير البلاد ولكن للاسف اولئك الذين يديرونه غير مؤهلين ولا يمتلكون رؤية حقيقية، وفقاً لتعبيره.ورغم المليارات من عائدات النفط والمساعدات الدولية للعراق منذ عام 2003، ما يزال العراقيون يعانون من الخدمات العامة المتهالكة وضعف الاقتصاد بسبب الفساد المستشري وسوء الادارة المالية، والتعيين الحكومي المبني على الاحزاب والولاءات الطائفية.
وانضم العبودي مؤخراً الى جانب الآلاف من العراقيين في ساحة التحرير، محتجاً على تردي الخدمات وسوء الادارة وتدني الاقتصاد العراقي الى مستويات خطرة، رغم الاصلاحات التي قامت بها الحكومة، مثل دمج وزارات ببعضها البعض وخفض الانفاق ومحاربة الفساد، مختتماً حديثه بالقول «أنا متفائل وسنواصل الاحتجاج لحين الحصول على إصلاحات ملموسة».