هادي المياح

 في النهار يمتلئ وجه الشيخ بالغضب، وفي كل ليلة ينام بحزامه الناسف مع شابة يافعة بريئة يأتون بها اليه، ليفجّرها بنزواته قبل بزوغ الشمس،ويستلب منها البرقع والعباءة فتتحول عند الصباح الى حورية ، ثم تختفي..
لا أحد يعرف عمر الشيخ الحقيقي،ففي كل مرة يقابلونه، يرونه بهيئة شاب وسيم بوجه ممتلئ..تتدفق منه الدماء فتبنعث فيه حيوية دائمة..يقاوم التعب والسهر ويتحمل المفاجئات ..وفي الليلة التي سبقت الهبوط الجماعي للحوريات، لم ينم الشيخ الرئيس طوال الليل..فلقد أقضّت مضجعه رؤيا فظل مضطرباً في سريره يفكر.. ثم نهض على قدميه وصاح:لقد رأيته، رأيته يتلئلأ كالذهب..
تظهر للشيخ عدة نسخ تتجول في مركز المدينة وأطرافها وتتكلم بلغة مختلفة..لم تشبه لغة المبشرين آنذاك،وربما خير ما تقوم به هذه النسخ هو الدور الطفيلي، والكتابة على جدران البيوت من الخارج برموز مثيرة للقرف !
بظهور هذه النسخ،إنزاح الكثير من همّ الشيخ الرئيس..وأزدادت ثقته باعوانه في أختيار أجمل فتيات لياليه من بين جموع الاسارى..وازداد عدد الحور المختفيات في كل صباح عالق في الظلام حتى النهار التالي.. 
في صباح احد الأيام ،وبعد انتهاء احدى غزواته،انبثق من اعماق الشيخ شعور غريب ،كان مخبئاً لفترة طويلة كخلية نائمة، بسبب ضعفه وقلة حيلته، وحيث انه الان هو الشيخ وهو الرئيس فقد أصبحت كل المخلوقات تحت امرته!..وعليه ان يهتم بروحه الخضراء حتى لا تجف!
خطر بباله ان يقيم حفلاً لترقية بعض أعوانه، من النسخ القديمة المجاهدة،لكي يهبهم مكسباً دنيوياً قبل ان يأسرهم قلب حورية جميلة في آخرة حياتهم الزائلة بأصابع التفجير.. لمح أحد الولاة كان ماراً بباب الخيمة، سأله :
– هل إحتفظتم بالالات الموسيقية التي إستولينا عليها ؟
– نعم أيها الامير، لقد حطمنا في السوق ما كان تآلفا منها فقط وأمام جمع من الناس واحتفظنا بالجيد!
قال الشيخ الرئيس: 
-لقد نويت ان أعمل حفلاً هذه الليلة ! قال ذلك وهو ينوه لحاجته الى مطرب قدير يحيي هذا الحفل!
رَدّ الوالي:
– لدينا مشاهير من الوسط الفني إنظموا إلينا مؤخراً،  
-من هم هؤلاء؟قال الشيخ
-أيها الامير المفدى ،لا اعرف أسمائهم ولكني أُشاهدهم يومياً على اّلشاشة!  
قال الامير:
– دع أصواتهم تصدح هذه الليلة!..أما أسماؤهم فلا تهمني ،المهم انهم قادرون على ترتيل آيَاتِنَا !
في مساءٍ تافه كباقي المساءات..هبطت الشمس ببطء نحو الأفق، وإنتشر الّظلام في أرجاء المدينة كما يُنشر الغطاء على جثة هامدة..وإرتفعت اصوات الطرب الى السماء التي غطتها أسراب الحالمين بالحور..الأشلاء هناك تملأ المكان،وروائح كريهة تنبعث منه باستمرار..بدأ الضيق والملل يدب في نفوس الحوريات..وثارت ضجة من الاحتجاجات، في مختلف أماكن الخلد..
 قررت الرئيسة، وهي كبرى الحوريات، ان تعقد جلسة للتداول ..فالامر أصبح خارجاً عن السيطرة بسبب التوافد المتزايد من المراهقين،ٍ ممن يفجرون أنفسهم بشتى الوسائل:حزام ناسف، عبوة ناسفة..فإعتلت كرسيها الدوار، في إحد أركان القبة السماوية..المكان أشبه بسديم او سحابة عائمة في الفضاء..وهذا الاجتماع الاول من نوعه لمناقشة قضية تبعد ملايين السنين الضوئية من السماء..وراحت تواصل النظر بعيون فاحصة الى الحضور..وهي تقلِّب بيدها لوحاً متلئلأ يتدلى من سلسال ذهبي في عنقها، كأنها تحمل بشرى الخلاص..تأملت الوجوه جيداً وقالت: 
– لماذا تحتجّون وأنتم في الخلد تنعمون بحدائق غنّاء، وما لذّ وطاب مما تشتهي الانفس؟
أجابت احدى الحوريات وهي متحمسة اكثر من غيرها!
– وهل نعيش نحن في النعيم الدائم واهلنا في الارض يتعذبون ويعانون من شتى انواع القتل والانتهاك ؟ 
ردت عليها الرئيسة:
– وهل من واجبنا ان نعالج كل مشاكل الارض ونترك مشاكل السماء؟ من اين انت يا أختنا ؟
– انا حورية من العراق..
أطرقتْ الرئيسة بنظراتها الى أسفل، الأسفل المجهول، والممتد الى البعيد..وبان على وجهها المرمري بعض الانكسار..واستعرضت جملة من الاحداث الساخنة في تلك البقعة على مر السنين، انبثق اثناء ذلك صدى احتجاج من باقي الحوريات..صدى أشبه بصيحات نداء تناسب الوضع هناك، لا تشبه صيحات الله اكبرعلى الارض ، الصيحات المقرونة بعبارة تكبيرمكررة..ففي الخلد كل شئ مختلف..هدوء بمنتهى السحر..والوداعة،وسكينة لا متناهية ..عدا ما يحدث من خرق غير قانوني في بعض الاحيان..
تمتاز الرئيسة بهيئة جذابة اكثر من الجميع..ولها شعر منسدل الى الخلف غطى منطقة الكتفين وما تحتها وانفصلت عدة خصلات منه في منطقة الصدر لتخفي مبعث الأنوثة  والجمال..
لا يقل جمال الحوريات بروعته عن جمال الرئيسة..ولكن مسحة الاحتجاج والتظاهر أبرزت تعابير الحماس، فأخفت بريق الجمال هذا ..لا احد يفقه ما دار في هذا الحوار..ولكن القرار كان منحوتاً في اللوح محفوظاً فيه..
إنفض الاجتماع على صدى عبارة تكبير رافقت اشلاء ارهابي قدم لتوه من الارض..فسارع الجميع فوراً لمقاطعة الاجتماع ..
تجمع أعوان الشيخ وكافة النسخ الشبيهة على باب الخيمة وحواليها..بانتظار اوامره..عيون الجميع لامعة وشاخصة تنظر الى السماء..إذ أقبلت مجموعة من الحور بهيئة جذابة،عابرة الغيوم في طريقها الى الارض..يتمايلن بغنج في السماء، فينعكس على صفحات وجوههن بريقاً وامضاً،يخلب أبصار (المؤمنين)من اعوانه، وهم في حالة احتظار..
بإقتراب هذه المجموعة، علت وجه الشيخ ابتسامة وهو في مكانه يقتعد تلة مرتفعة على مسافة من مهبط الحوريات،وهناك سُوَر دائري محصن، أُحتجز فيه حشد كبير من أهالي المدينة الأبرياء ،كانت ابتسامته تخفي ورائها الكثير في هذه المرة..إذ راح يتحسس شيئاً صلباً في قبضة يده، وعيناه تدوران مابين السور ومهبط الحوريات..غُصّ داخل السور بأعوانه فتحول الى ما يشبه الهرج والمرج..واصبح الجميع محشورين هناك بانتظار لحظة الحسم.
كانت اصوات التفجيرات المتلاحقة مرعبة وهائلة،هزّت المكان وأثارت الفزع في نفوس الحوريات..
وظلّ رجال حاشية الشيخ يبحثون طوال يومين متتاليين عن الحوريات، فلم يعثروا على شئ..عدا سلسال ذهبي يحمل في طرفه لوحاً لماعا.

التعليقات معطلة