المستقبل العراقي/متابعة
تعددت الجرائم في الآونة الأخيرة وتراوحت في أسلوبها الجرمي بين الأقسى والأبشع عند التنفيذ، وأصبح المواطن يعيش حالة من الهلع متسائلا هل زادت الجرائم واستسهل تنفيذها في الوقت الحاضر؟ أم أن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة “كشفت المستور” في نقلها ومعرفة المواطن بها.سيدة تقدم على قتل طفلها، زوجة تقتل زوجها ، أب يقتل ابنته بمساعدة أشقائه، فتاة تقتل والدها، آخر يقدم على قتل ابن عمه، أخ يقتل أخاه من أجل المال، وشخص يقرر إنهاء حياة فتاة رفضت الزواج منه، وغيرها العديد من الجرائم البشعة.يحلل الخبراء أسباب ازدياد نسبة الجريمة في العراق منها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في تسليط الضوء عليها ونقلها للقارئ.الاختصاصي النفسي د. محمد الحيالي يرى:” أن الجرائم زادت بشكل كبير، ويرجح بأن وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي كشفت المستور، وهذا يفسر جهتين؛ أولاهما تتمثل في نوعية الجريمة التي اختلفت طريقة تنفيذها، ومدى العنف في وقوعها (صلة القرابة)، وعليه يشدد على ضرورة أن يكون هناك كشف توضيحي للجرائم، حتى نتوجه للفئة الحقيقية المستهدفة (مسح تفصيلي)، حتى تصبح الرؤية للإعلام والجمهور واضحة.ويتحدث عن جانب يتعلق بالمرحلة الانتقالية سواء اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا والتي يمر بها العراق، وكذلك حالة الغموض فيما يتعلق بالظروف المحيطة، مؤكدا أن حالة الضغط الحياتي والمعيشي التي يترتب عليها ضعف الإمكانات تؤثر أيضا في ارتفاع نسبة الجرائم.ويضيف “وهناك جانب آخر يتعلق بغياب القانون والتشريعات غير الحازمة، وحكم القانون انتقائي بشكل أو بآخر تدخل به عوامل كثيرة مثل المحسوبية والواسطة والعشائرية، فالقضايا لا تأخذ مسارها بالشكل الصحيح”.!
وعليه فإن تغليظ القانون والعقوبات وتثبيت القانون ودولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية تعد حلولا سريعة لتفادي تلك الجرائم وكثرتها، وفق الحيالي ، وإن أي حل سريع ترغب الدولة في القيام به يجب أن يرتبط فورا بالتشريع.
ويلفت إلى ضعف التأثير الأسري العائلي، فهناك غياب لقواعد أخلاقية وسلوكية (اضمحلت)، وغياب التوعية النفسية والتثقيف وحدوث اضطرابات جسدية، والبطالة، والغلاء، وعدم الحساسية الحكومية تجاه المواطن، والإحباط السياسي والاقتصادي يصل به الشخص لمرحلة (ما الذي سأخسره) وهي جملة خطيرة في علم النفس.ويفسر الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي، السبب الرئيس الذي يؤدي الى ارتكاب الجرائم والجنح في المجتمع يعود لعدم قيام مؤسسات الضبط الاجتماعي غير الرسمي والمتمثلة في غياب دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية والدينية في التوعية والإرشاد وضبط المجتمع، ويقول الخزاعي :”غياب دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والجار والجد والمختار في الردع الاجتماعي والتوجيه يؤدي الى زيادة ارتكاب الجرائم في المجتمع”.وفي هذا الصدد، يوضح الخزاعي قائلا :”الزيادة في عدد القضايا الجرمية والجنحية زادت ويبين أن التفكك الأسري وقضايا العنف الأسري تعد حاضنة للعنف، وثقافة العنف التي يتربى عليها الأبناء من أهم أسباب العنف وارتكاب الجرائم، والخلط بين مفهوم التربية والعقاب الذي يمارس من قبل الأهل يهيئ لبروز ثقافة العنف، فالاعتقاد الخاطئ عند الأهل بأن لهم الحرية في معاقبة الأبناء وبالطريقة التي يرونها مناسبة”.ويشير:” الى أن جرائم السلب والسرقة تتصدر الجرائم وتحتل الترتيب الأول في عدد النزلاء المحكومين والموقوفين حاليا في مراكز الإصلاح والتأهيل؛) حالة، تليها الجرائم المتعلقة في المخدرات في الترتيب الثاني ، ثم جرائم القتل والتدخل بالقتل والشروع بالقتل ، وفي الترتيب الرابع جرائم الاغتصاب وهتك العرض والخطف بسبب هذه القضايا المنفرة والصادمة للمجتمع.ويوضح الخزاعي أن ضعف الوازع الديني وعدم الخوف من القانون من الأسباب المهمة التي تؤدي الى تفاقم الجريمة وارتكابها في المجتمع، وبروز ثقافة أخذ الحق في اليد وعدم انتظار صدور الأحكام من القضاء مؤشر خطير، والتهديد والتطاول على الإدارة العامة؛ حيث وقعت (1903) حالات جرمية على الإدارة العامة. ويرى خبراء وباحثون متخصصين في قضايا الجريمة :” أن أخبار جرائم القتل تعد قضية أساسية، يهتم بها المجتمع أكثر من غيرها من الأخبار اليومية، كون الحياة تحتل قيمة اجتماعية مهمة في مجتمعاتنا، ويرجحون سبب تزايدها للانفتاح والعولمة فهناك العديد من الجرائم ترتكب بحق الإنسان (الاتجار بالبشر، الأسلحة، غش المستهلك وهي جميعها جرائم لم تكن لدينا تشريعات متعلقة بها، وحتى الآن ليست لدينا تشريعات مستحدثة لقضايا الجرائم الإلكترونية”.وبحسب هؤلاء،:” فإن العوامل الاجتماعية والدوافع تختلف من جريمة لأخرى، فعندما يقدم شخص على قتل آخر فإنه يلوم المجتمع الذي دفعه لارتكاب هذه الجريمة، أما اذا قتل الشخص نفسه فإنه وبهذا السلوك يلوم نفسه”.ومن جهة أخرى، يشير الخبراء :” الى أن تغير وتحول أي مجتمع مع مرور الزمن تنتج عنه خلخلة في القيم والمعارف والعلاقات الاجتماعية، وبالتالي يرى الشخص نفسه في حل من هذه القيم التي تربطه بالمجتمع”.
ويحصرالخبراء دوافع الجرائم لثلاثة عوامل:” أولها عوامل فردية وسوء التنشئة، والبناء الاجتماعي (البطالة والفقر وتدني الأجور)، الثقافة السائدة وخاصة في جرائم العنف، وهذه الأسباب تتسبب في أغلب الأحيان بخلق عامل نفسي تراكمي يؤدي إلى الإقدام على مثل هذه الجرائم”.ويرى أستاذ علم الاجتماع عبد المنعم صبيح :”أن العنف يملأ المشهد الإنساني، ويحيط بنا من كل جانب، إضافة الى وجود عوامل مجتمعية داخلية من ضعف في البناء الاجتماعي والقيمي، والظروف الاقتصادية الضاغطة، واختلال نظم التربية والتنشئة والتثقيف وبالتالي اختلال في بناء شخصيات وسلوكيات الأفراد. كل ذلك يؤدي الى إضعاف عناصر الوقاية والحصانة والمقاومة عند الأفراد تجاه الانحراف والجريمة”.وإضافة الى ذلك، تشير الدراسات إلى أن اهتمام وسائل الإعلام وبالذات التلفزيون ببث مشاهد الجريمة الحية وأخبارها وتفصيلاتها يؤدي إلى زيادة في معدل ارتكاب مثل هذه الجرائم بعد فترة البث، فقد ازدادت حالات العنف والسطو المسلح بعد نشر حوادث الاغتيال والقتل، وفق عليمات.ويضيف :”هناك جرائم وسلوكيات قد لا يتصور حدوثها ولكن بعد بثها تلفزيونيا أو في وسائل الاتصال المتنوعة سواء حقيقة أم خيالاً، فإنها تدخل في حيز الإمكان العقلي هو أولى درجات الإمكان الواقعي والشيء الممكن عقلاً ممكن واقعاً. وإن تكرار مشاهدة مشاهد الانحراف والجريمة يؤدي إلى زوال وحشتها وشناعتها واستهجانها، وهذا يؤدي إلى اعتبار الجريمة سلوكاً معهوداً والسلوك المعهود مأنوس ومألوف”.
والنتيجة أن الجريمة تصبح من مجريات الحياة الاعتيادية، وفق صبيح، وبالتالي يسهل ارتكابها وتبريرها ويضعف رد الفعل الاجتماعي ضدها، كيف لا يكون ذلك ونحن نشهد سيلا جارفا من سفك الدماء والقتل والتدمير بأبشع صوره وأشكاله التي لم يكن يتصور حدوثها وها هي ماثلة حية في الواقع وفي وسائل الإعلام وبشكل يومي، فلم تعد للجرائم البشعة وحشة ولا رهبة ولم يعد للنفس الانسانية قداسة أو احترام.
ويلفت “من جانب آخر فإن العوامل الخارجية تفعل فعلها مقابل عوامل مجتمعية وشخصية. فتوجد ضوابط مجتمعية من قيم وأعراف وتقاليد، اضافة الى عوامل التنشئة والتربية التي تضع عند الفرد حاجزا يمنعه من الانحراف والإجرام. وبقدر ما تكون عوامل المقاومة والمناعة عند الشخص تجاه الانحراف والخطأ بقدر ما يستطيع مقاومة الظروف والأحداث الضاغطة التي قد تسهل عليه ارتكاب الخطأ”.
ويختم “إذا عرف الإنسان انه لن يفلت من العقوبة (التأكيد)، وأنها فورية (الارتباط الزمني بالجرم-الحدث)، فإن الردع ممكن للشخص وللنفوس المريضة جمعاء. أما إذا كانت العقوبة غير فعالة، بل يستمرئها الذين تعودوا عليها، أو الذين يمكن أن يجدوا منافذ تنقذهم منها، عندها تكون العقوبة غير رادعة بل غير ذات جدوى، وهو ما نلاحظه وللأسف الشديد في مجتمعاتنا في الظروف الحاضرة”.