ملاذ الأمين
نجحت التظاهرات الشعبية المطالبة بالخدمات منذ الجمعة الاولى وحتى الخامسة، بلفت الانتباه نحو اسباب تردي الخدمات. ان الحقيقة التي لم تكن مخفية عن المتظاهرين والسياسيين، هي ان تردي الخدمات تعود الى تغلغل الفساد في مشاريع الدولة خصوصا الخدمية منها كالكهرباء او الخدمات البلدية او التربوية او الامنية او التعليمية وعندما نتكلم عن الفساد لا نعني ان هناك منافذ لصرف الاموال مقابل مشاريع وهمية او مشاريع غير كفوءة فقط، وانما نعني اختيار المؤسسة المعنية بتنفيذ مشروع في غير وقته او محله او عدم الاحاطة بجدواه الاقتصادية ما يعد هدرا بأموال ومجهودات الدولة.إن المطالب التي رفعها المتظاهرون خلال الجمعات الخمس بشأن الفساد لم تحدد طرق محاربته وتركت اختيار اداة القتال وموعده وخطة الهجوم وادارته بيد رئيس الحكومة حيدر العبادي الذي اصدر حزمتين من الاصلاحات الادارية والتقشفية كان آخرها تشكيل مجلس مكافحة الفساد، في 30 آب الماضي، برئاسته، وعضوية الأمين العام لمجلس الوزراء، ورئيس ديوان الرقابة، ورئيس هيئة النزاهة، وممثل عن مجلس القضاء الأعلى. هذه الخطوة تأتي مكملة لخطوات سابقة في توجيه الجهود التنفيذية والقضائية والقانونية نحو مراجعة الضوابط والاوامر الادارية والتعليمات الخاصة بفقرات العقود وصرف الاموال وتحجيم نسب الهدر المالي وادارة الاموال لاختزال الروتين وتحقيق منفعة للمجتمع وفي الوقت نفسه تراقب المنافذ التي يمكن للهدر او التلاعب بالمال العام ان يخترقها للتأشير عليها وغلقها ومحاسبة من يعاود فتحها مرة اخرى.
رئيس الوزراء – كنوع من الاستجابة للمطالب الشعبية وتفويض المرجعية الدينية – عليه ان يتقدم خطوة اخرى نحو الامام وبسرعة لغلق جميع الابواب والنوافذ التي تمكن الفاسدين من الهرب والتملص مما اقترفوه من انتهاكات بحق البلاد والعباد وسرقة المال العام او تبذيره، من خلال مراجعة جميع القوانين والضوابط والتعليمات الادارية الخاصة بأبواب صرف الاموال كالعقود والايفادات والمكافآت والنثريات والمخصصات واقامة المهرجانات والاحتفالات.. الخ، وكذلك بيــــــع عقارات واملاك داخل وخــــــارج البلاد.إن المظاهرات الشعبية العفوية التي امتدت من البصرة الى بغداد مرورا بجميع المحافظات نجحت بجدارة في وضع مطالب الشعب في مسارات التطبيق، وربما تشهد الايام المقبلة اجراءات تنفيذية حقيقية منها تعديل قوانين او اصدار ضوابط جديدة مع تعليمات اخرى تتعلق بإعفاء او احالة مسؤولين الى المحاكم.لعل من اسباب عدم كشف الفاسدين في العقد الماضي، هو عدم جدارة القوانين والتعليمات والضوابط في تدقيق ابواب انفاق المال العام، او تضمينها فقرات تحتوي على جمل قابلة للتفسير او التأويل، ما يسهل التلاعب وتسويغ الفساد على انه ضمن القانون النافذ، ويمنع اصدار التشريع الذي يسمح للقضاء العراقي بأن يطالب باحضار المتهمين بالفساد، بعد هروبهم خارج البلاد مستظلين بحماية جنسياتهم الاخرى او قوانين البلاد التي يلجؤون اليها.المتظاهرون مستمرون بالوقوف تحت نصب الحرية حتى تتحقق مطالب الشعب وفي الوقت نفسه يدافعون عن مسيرة الاصلاحات التي بدأ بها العبادي ويطالبون بالمزيد منها كي ينعم العراق بثرواته ويواصل تقدمه في طريق الحضارة والديمقراطية بعد عقود من الكبت والظلم والتراجع والابتعاد عن مواكبة مسيرة التقدم الجارية في العالم.