جمال جاسم أمين
ثمة فرق بين ان يكون الاصلاح مطلبا لفئة او جماعة ترفعه او تنادي به عبر انشطة وشعارات وبين ان يكون حاجة تشعر بها حتى الحكومة ذاتها التي يحتج عليها الناس ويتظاهرون ضدها!.
اليوم لا يمكن إلا وصف الاصلاح بالحاجة حيث يتعذر القفز على تصدعات الممارسة السياسية لأكثر من عقد، وما رافقها من شد وتجاذب بين الكتل والاحزاب ترك ما ترك على حياة الناس بما في ذلك ملف الخدمات الذي لا بد منه لتسيير ضرورات الحياة الاعتيادية.
اظن ان وصف الاصلاح بالحاجة وتسمية المشكلات بدقة هو الخطوة الاولى نحو الاصلاح الجدي الذي لا مماطلة فيه ولا رياء لأن مثل هذا السلوك لن ينفع احدا على
الاطلاق.
ولكي لا يخرج الكلام عن سكة المعنى او يصبح الشعار فائض صوت لا طائل منه ينبغي تحديد وتسمية نوع وحدود الاصلاح المراد في ظرف عراقي حرج ودقيق لا يخفى على احد كما يجب ان نضع عددا من التنبيهات او ما يمكن ان نسميها بالمشكلات المؤقتة التي لا ينبغي ان تهمل بل لا ضير من اثارتها والمكاشفة فيها للوصول الى نتائج تخدم الجميع ومن هذه الامور مثلا:
1 – أزمة تمثيل المتظاهرين وتوحيد مطالبهم حيث ارى، وبسبب حجم الخراب، نوعا من تشتت المطالب وتضاربها في اكثر من مفصل والذي نشهده على الارض ان اغلب المتظاهرين غير ميالين لمثل هذا التمثيل ربما بسبب عدم تبلور صورة البديل في اذهانهم او الخشية من استغلال المطالب العامة لمصالح شخصية!
وهي خشية مشروعة نوعا ما في ظل نفعية شهدناها للكثير من المتصدين باسم الناس والمصلحة العامة، اذ ان هذا السلوك البراغماتي الرث سيعيدنا للمربع الاول كما يقال، وبهذا الصدد تحديدا هناك من يعيد سؤال: اين النخب؟
اين المثقف؟
رغم ان المثقف العراقي هذه المرة موجود وبقوة في اغلب مفاصل الاحتجاج.
2 – ثمة نوع من التشكيك بأهمية وجدوى الاصلاح، بمعنى ان هذا النفر من المتحمسين يطمح الى لحظة راديكالية ابعد دون ان يحسب حراجة مثل هذه اللحظة وتداعياتها في وضع كالذي نعيشه الآن ولذا نقول في مثل هذا
المفصل: ان الاصلاح الجذري هو الاجدى في ظرف عراقي راهن كالذي نعيش.
3 – لكي لا تظل شعارات الاصلاح عائمة بل حالمة الى درجة الخيال لا بد من ملامح مشروع واضح وأظن ان الاصلاح الجذري الذي وصفناه لا يحدث صدفة مثلما لا يحدث عبر قرارات سريعة ومنفعلة وإنما هو ينبثق عن وصف المشكلات وصفا دقيقا ومتابعة اسبابها دون مجاملة او انحياز لطرف دون طرف، هنا ندحض من يقول: الاصلاح اطالة لعمر الخلل!
بل نضع النوايا والاقوال موضع الاجراء والعمل كي نتخلص من حلمية فضاء التمني الذي لا يجدي وحده كما نضع جهود الناس وحاجاتهم في مكانها بدل ان تذهب سدى.
التظاهر ليس نزهة كما انه ليس فائض وقت نبذله مناكدة لهذا او ذاك بل هو حراك وطني ينبغي ان يكون على درجة عالية من الصدق والاخلاص، الصدق مع الذات اولا والاخلاص للمسعى الوطني الذي نسير نحوه جميعا.
4 – يجب ان نعرف جيدا ان الاصلاح حركة دائمة لا ترتبط بوقت دون غيره ، هو مشروع نقد ومراقبة بل هو وعي قبل أي شيء اخر.
ما يحدث اننا نخضعه للانفعال والمطلبيات الطارئة في اغلب الاحيان، يحدث هذا ربما بسبب تقاعس منظومة المراقبة لدينا او تعطل دورها وترك الامر للجمهور العام الذي لا يحتج الا عندما ينفد صبره وأمله معا وهنا ينبغي ان نتنبه لخطورة هكذا احتجاجات وامكانية استغلال عواطف الناس لتحقيق غايات اخرى غير المعلنة لكن لو كان امر المراقبة والاصلاح يجري عبر القنوات المعنية بسلاسة اعلى لتجنبنا الكثير من المخاطر المحتملة.
هذه المكاشفة لكي نضع قطار الاصلاح على السكة دون ان نخسر مزيدا من الوقت في انفعالات فائضة او تشويش على المعنى المراد في ظرف لا بد من التنبه مرارا لحراجته.

