عادل العامل
يشكّل الفساد أحد الأركان الأساسية التي يعتمد عليها نجاح الإرهابيين، وغيرهم من المخربين وعصابات الجريمة المنظمة، في تحركهم الميداني في بلدٍ ما.
وقد اعتمدت التنظيمات الإرهابية في العراق بشكل كبير خلال السنوات الماضية على رشوة بعض المسؤولين والعناصر الفاسدة في مؤسسات الدولة المختلفة، إضافةً لاستغلال بعض العاطلين عن العمل والمهمَّشين وضعاف النفوس المأجورين، في تسهيل تحركاتها، وتزويدها بالمعلومات، وتنفيذ عمليات القتل والتفجير العشوائي واقتحام السجون وتهريب السجناء الإرهابيين والتستّر عليهم، بصرف النظر عن المآسي والفظائع الرهيبة الناجمة عن ذلك.
لكن قبل أن نعاقب الفاسدين، وهم يستحقون أقصى عقوبةٍ على عملهم الخياني هذا بالتأكيد، علينا أن نعرف لماذا فسد هؤلاء، وكيف، ومتى، كي نستطيع أن نجفف منابع الفساد، كما يقال، ونجنّب أنفسنا الوقوع في هذا المستنقع الخطير الذي لن يقتصر في أخطاره على عواقب النشاط الإرهابي وحده. إذ قد تكون للفساد حتى أسباب خفية في جينات الفرد أو تكوينه البايلوجي، مثلما هي حال النزوع نحو العنف، أو الشر، أو الإجرام، أو السلوك الإرهابي، أو حتى الانتماء لاتجاهٍ سياسي معين، كما ترى بعض الدراسات العلمية الحديثة، ويستحق الأمر بالتالي المعالجة الطبية المناسبة للحالة، حيث لا ينفع العقاب مهما كان. ومن هنا يتوجب على السلطة الحاكمة، في المقام الأول، أن يكون لديها مركز ستراتيجي متخصص ومتنفّذ ونزيه وعلمي من مختلف التخصصات ــ السايكولوجية، والبايلوجية، والاجتماعية، والتربوية، والأمنية وغيرها ــ لدراسة الظواهر الاجتماعية المهمة، وتقديم الاستنتاجات والتوصيات التي تشخّص الظاهرة وتحدد أسبابها وتبيّن سبل معالجتها، أو حتى منع حدوثها أحياناً، أو تقويتها وإشاعتها إن كانت نافعةً للصالح العام. وتكون اقتراحاتها واجبة التنفيذ خارج إطار «كتابنا و كتابكم» وتشكيل اللجان التي تُغطي على المشكلة أكثر من أن تعالجها، في الغالب، كما هي الحال إلى حدٍ ما مع اللجان التي شُكلت منذ «غزوة» الموصل الفاضحة، والتي أصبح الحديث فيها حتى الآن حديث خرافة أو أسوأ! وهذه أيضاً صورة من صور الفساد العظيم الذي نغوص فيه حتى أعناقنا، وسنجني ثماره بهذا المستوى أيضاً بالتأكيد.فالفساد، أصلاً، لا يقوم على أساس الحاجة إلى المال، ذلك أن الذين يشمئزون من الرشوة، في دوائر الدولة، باعتبارها عملاً مخلّاً بالشرف ومهيناً لكرامة الإنسان، الراشي والمرتشي، حتى وهم بحاجة ماسّة للمال، يفعلون ذلك عفوياً انطلاقاً من تربيتهم الأسرية والاجتماعية القويمة.. في الأقل أيام كان هناك قدر كبير من الاحترام للتقاليد والأعراف والأخلاق والمشاعر الوطنية الشريفة، بوجهٍ عام، أي قبل أن تُفسد المجتمع العراقي موجة الانقلابات العسكرية التسلطية التي اشترت ولاءات الناس بالمنافع المادية، ودكتاتورية البعث الخبيثة التي قامت على تخريب المناعة الأخلاقية لديهم لضمان خضوعهم لها، وسنوات الاحتلال الأميركي الغاشم الذي أجهز على أخلاقيات قسمٍ كبير من المجتمع تسهيلاً لهيمنة الولايات المتحدة على البلد والقبول بحضورها الدائم فيه.وعندما لا تكون هناك مناعة أخلاقية متينة وانتماء وطني واحد نابع منها لدى الناس في المواقع المهمة في الدولة والمجتمع، بوجهٍ خاص، فإن من السهل جداً اختراق هذه المواقع مقابل أي شيء ــ رشوة، صفقة، ليلة أنس، امتيازات، علاقة نفعية متبادلة، تغطية على جريمة أو فضيحةٍ ما، تهديد، وعد، توصية … معنى ذلك، باختصار، أن مكافحة الفساد فعلياً يقوم على أمرين:
* خلق المناعة الأخلاقية التي ترفض أي شيء غريب على صاحبها، مثلما يرفض الجسم زراعة أي عضو غريب لا يتفق و تكوينه البايلوجي، وذلك من خلال التربية الأسرية السليمة ورعاية المؤسسات الوطنية التي تعزز هذه المناعة على الدوام.
* وإيجاد البيئة المعيشية والاجتماعية التي لا تنمو فيها المفاسد تحت أي اسمٍ كان.
أما كيف يحدث هذا، فهذا من مهمة المركز الستراتيجي لدراسة الظواهر الاجتماعية الآنف الذكر، ومن مسؤولية السلطة القائمة، إن أرادت أن تقوم لها قائمة لولايةٍ أخرى .. من دون الحاجة إلى «فضائيين»، أو محاصصة، أو استقواء بالخارج!

