برهان المفتي
ليس المهم أن تقوم جهة ما بفعل قوي لتعديل مسار ما بحكم ظرفي، ولكن المهم في أي فعل هو أن يكون مستداماً ويحمل صفة الاستمرارية، فتعديل مسار سيارة خرجت عن الشارع أثناء السياقة، هو فعل جيد في لحظة حصول الحدث، ولكن السيارة قد تخرج عن مسارها من جديد ما دامت معايير اختيار السائق أو منح إجازات ورخص سياقة السيارات هي نفسها، وهذا مثال للفرق بين الفعل المباشر والفعل المستدام، فالفعل (إعادة السيارة إلى مسار الشارع) هو فعل مباشر تستوجبه اللحظة، بينما مراجعة معايير منح إجازات السوق وتحسين الشوارع وقوانين السير هو إجراء مستدام.
والتعامل مع الفساد ومعالجته يجب أن يكون إجراء مستداماً وليس ظرفياً بتبديل هذا أو ذاك من العناوين الفاسدة، أو بإلغاء هذه المؤسسة الفاسدة أو لوم تلك الممارسة الخاطئة، فتلك إجراءات مرحلية تذهب نتائجها مع ذهاب الظرف الذي أوجدها، وقد يعود الفساد بقوة وبوجوه جديدة وبممارسات أشد خداعا، لذلك، نحتاج في مواجهة الفساد إلى التزام مؤسساتي بمعالجة الفساد، ولن يكون لذلك الالتزام وجود فعلي وفاعل إلا بإعلان المؤسسات الرسمية ستراتيجيتها في مكافحة الفساد، ويكون ذلك بوجود سياسة مؤسساتية شاملة (أهداف – خطة عمل – مسؤوليات التنفيذ – التحقق من التنفيذ – المراجعة – التصحيح) في حلقة ديناميكية تديرها الرغبة في تطوير الإدارة والقيم المؤسساتية لتحقيق الغاية الكبرى وهي نزاهة المؤسسات العراقية.
ولأن الفساد شامل في مؤسساتنا – وهذه حقيقة لا نهرب منها – فإننا بحاجة إلى ستراتيجية شاملة يعلنها أعلى عنوان تنفيذي في الدولة، وتكون تلك الستراتيجية ملزمة بإهداف محددة بإطار زمني محدد بوضع الرؤية التي نسعى الوصول إليها في ذلك الزمن المحدد. ولكي يأخذ الإجراء العراقي لمكافحة الفساد بعداً دولياً يكسب العراق احترام المجتمع الدولي، فإن إعطاء الدور الرقابي للمنظمات الدولية (مثل منظمة الشفافية الدولية) للتحقق من إجراءات مكافحة الفساد العراقية سيكون خطوة كبيرة لكسب الثقة وتبادل الخبرات والممارسات، ونأمل دراسة هذه الخطوة والسعي لها، للابتعاد عن دائرة الخلافات الموجودة حالياً بين الفئات المشاركة في القرار، والتي ترمي جميعها ملف الفساد من جهتها إلى الجهات الأخرى، رغم أن الكل يعرفون الفساد وعائدية كل حالة، فلكل حالة هويتها التي تدل عليها وعلى أصحابها، لكن (التوافقات) و(المحاصصات) الموجودة تحكم التعامل مع تلك الحالات بأسلوب غير مهني، غير أن وجود جهة تحقق دولية سيبعد ملفات الفساد عن حسابات معينة قد تعطل أي إجراء فاعل ضد أي فاسد من العناوين الكبيرة، بسبب عنوانه وعنوان الجهة التي يمثلها.
وقد يكون التزام مؤسسة القرار التنفيذي (مجلس الوزراء) بتطبيق نظام إدارة المسؤولية المجتمعية ISO 26000 بكل متطلباته، بداية صحيحة نحو مكافحة الفساد وممارسات الفساد، إذ أن هذه الوصفة الدولية تستهدف معالجة الممارسات التي تنتج الفساد، وتضع معايير قوية لمكافحة تلك الممارسات. وحالياً تلتزم أكثر من 80 دولة بتطبيق هذه الوصفة بمستوى قراراتها التنفيذية العليا، وأرى أن نسعى بقوة لكي نكون ضمن هذه الدول وأن يكون ذلك هو الهدف الذي نضعه ونعمل لتحقيقه بخطة عمل على مستوى مؤسساتي وطني وفي فترة زمنية ملزمة، وأن يكون ذلك بالتنسيق مع جهات دولية لمكافحة الفساد بصفة مراقب لمراجعة الإجراءات الحكومية العراقية في مكافحة الفساد وإعطاء الرأي. ثم أن يكون الالتزام المجتمعي في صميم الأهداف المؤسساتية في الإدارة العراقية ويكون ذلك بالإعلان عن ستراتيجية الدولة في مجال الالتزام المجتمعي، وقد يكون ذلك بقانون يحدد الالتزامات التي على مؤسسات الدولة أن تظهرها تجاه المجتمع، ومن أهم تلك الالتزامات، منع ومكافحة ممارسات الفساد مثل الرشوة وإرساء العقود بطرق غير عادلة، والتوظيف غير العادل، وظروف العمل غير العادلة، والتعامل مع شركات لها تاريخ في ملفات الفساد. فبوجود قانون ملزم، تكون تلك الممارسات مخالفات قانونية تستوجب إجراءات قضائية.
نحن بحاجة إلى تحديد خط الشروع في مكافحة الفساد، ويكون ذلك بتصميم النموذج الذي نريده، وبقراءة نجاحات الدول الاخرى في مجال مكافحة الفساد والاستفادة من الأفكار دون تطبيقها حرفياً، فلكل نظام خصوصيته، ويكون تحديد خط الشروع في تناسق مع النموذج الذي نريده، محدداً برؤى وأهداف، تحددها سياسة وطنية شاملة لمكافحة الفساد. كما يكون الالتزام بإصدار التقرير الوطني السنوي لمكافحة الفساد ونشره في وسائل الإعلام وتقديم نسخة منه إلى منظمات رقابية دولية، مدخلاً لكسب الثقة الدولية وتشجيع الاستثمار الدولي في العراق، إذ يكون واضحاً لتلك الشركات، أن إرساء العقود التجارية والخدمية والمشاريع الكبرى تحكمها معايير النزاهة والابتعاد عن الرشاوى والممارسات المالية المشبوهة، وكل ذلك، يحتاج إلى بناء قاعدة بيانات قوية بعيدة عن أية ضغوطات معينة، قاعدة تديرها جهة مستقلة تماماً ليست لها ارتباطات فئوية معينة، مثل تلك البيانات ستكون أساس التقرير السنوي الذي يحدد مدى جدية خطوات مكافحة الفساد، وما هي النتائج المتحققة، وما هي المسافة عن النموذج الذي نسعى إليه، نموذج دولة مؤسساتية يكون فيها الفساد حكاية من الماضي.