محمد شنيشل الربيعي
(كلنا يستطيع أن يتعرف على اللغة في النص، لكننا إذا سؤلنا عن النص ،لا نعرف الاجابة ) محمد شنيشل فرع الربيعي
للتاريخ نشاط مضطرد وهو في حقيقة امره قدرات معرفية متحولة ومتوزعة على شكل انظمة وتشريعات وقوانين ونظريات وتلازم احداثه لا تُفسر إلا عن طريق تلك القدرات المعرفية ، ولا يوجد نسيج مادي أو معنوي أو أي تشكيل نظامي وضعي بلا شكل يستوعبه ، أو يبين على الاقل مساحة انشغاله ومعرفة ملامحه ونوع إنتمائه وخاصية تواجده الذي يفسر ما قبله وما بعده وذلك من خلال الربط بين اجزائه وصولا لوحدته العضوية، ولا اقصد الاهتمام بنظامه الشكلي وفق مباني النقد الشكلاني ومن لحقهما والاهتمام بالشكل يأتي بمرتبة متقدمة من الاهتمام برساليته وكاتبه ،حسب مباني الكثير من الباحثين والكتاب ومنهم تودوروف ورولان بارت ،لكن التأسيس مهم للولوج الى نقطة البحث، سيما كأمر بمقام النص وقيمته المعرفية العليا وما يُثار حوله من تساؤلات ،والذي يمكن تمثيله اسوة بالنظام الفيزياوي للهواء الذي يشغل حيزا كبيرا من الفضاء، لكنه يتشكّل وفق نظرية تطبيقية وحسب الوعاء الذي يحتويه ” وبعضهم يفرق بين نص هو كائن فيزيائي منجز وخطاب هو موطن التفاعل والوجه المتحرك فيه ، ويتمثل في التعبير والتأويل ” الزناد ـــ نسيج النص ــ ص15
مفردة النص قديمة قدم ولادته ،وفي التراث العربي عُرف عن طريق القران الذي أُطلق عليه نصوص ، ومفرده نص ، لكن لم يتضح عندنا دلالة تقويمية معاصرة لهذا المبنى الذي يضطرد تصاعديا بين تراثين من المعرفة ، فواحدة تعطيه فضاء اوسع من اللغة المعجمية منفتحة على كل التأويلات والاكتشافات وعلاقته بمجمل التطورات الحضارية ،وتنصهر تعريفاته تحت تلك البودقة التي يجدها الكثير انها تتوافق مع إيقاع الحياة وترفد كل متطلباته الفكرية ، وأخرى تتجه لاحد الطريقين ، إما تتسوق في تعاملها مع ما تمليه عليه دلالات المفهوم الاول من خلال رسم مقوماتها الفكرية وجعلها تابع أعمى يردد ما يُفقه وما لايُفقه ،أو تتحفظ بلغة المقاطعة لكل صادر معاصر دون الخوض فيه ،فنظر المثقف العربي الى النصية بكل مركباتها بعين النص الاجنبي ،وعد النصين في سياق واحد من الدلالة المضطربة حتى كأنه يكاد لا يميز بين الاثنين في حالة البناء “وعليه فازاء غياب تصور عربي أصيل لمفهوم النص لجأ الباحثون الى إعتماد المفاهيم الغربية المسندة لهذه الظاهرة . ولا نرى فيما يخصنا في هذا الاجراء اسيتلابا أو تبعية أو أتكالا ، كما لا نرى في ذلك أي ضرر ، فمثلما استعار الدارسون العرب مصطلحات ومفاهيم غربية عديدة من شتى المعارف والعلوم وافادوا منها في مختلف تحاليلهم وتطبيقاتهم ، فلا نعتقد أن المفهوم الغربي يطرح اشكالا ، فهو في نهاية المطاف مفهوم لغوي إنساني ، فالنص واحد في كل اللغات ومقوماته واحدة سواء كان في الانكليزية او الصينية أو الالمانية” ص19 مدخل الى علم النص / محمد الاخضر الصبيحي من معاضل الازمة الفكرية عند العرب هو عدم التدبر فكان النص القراني يتساءل مستفهما ( أفلا يتدبرون )
اضافة الى ذلك تغافل المثقف العربي عن إرهاصات الدلالة الشمولية(النص) وتميعها بطريقة التجزئة ، لدليل على فقر الحجة او الايمان بالنتائج مسبقا. أن النص بمقام الأم التي تنجب المصطلحات الداخلية فهو المحتوي والمحتوى ،وليس من العلمية ان نساوي به مع المجزئات الصادرة منه، ولا نعرف الاجازة في هذا القول وكيفية الربط المنهجي بين نصين مختلفين بل متناقضين في الرؤية البيئية الاجتماعية والعقدية والسياسية…. ودمجهما يعني الايكال الى الطرف الاخر في المأكل والملبس واشباع أحدهما هو إشباع للاخر من فاضل القيمة وإن تساوى في الكلية أو الوحدوية واخضاعهما الى نفس المعايير من باب قول ابن خلدون في مقدمته ( المغلوب مولع بمحاكاة الغالب) في القراءة وكيفية تعميم الجزء (المصطلح) كإشكال لم ينته به المطاف الى التوافقية على الكل وسحبه على (النص) والذي يعد هو الاخر اشد معضلة من داخله .ونعتقد أن هذه مخالفة فنية على أقل تقدير، ثم مَن قال ان المثقف العربي بعامته قد الزم نفسه بقناعة مطلق المقتنيات الغربية في اصطلاحها وبرضا ،دون الفرض الناتج من الفراغ الفكري ،حيث لا طريق مشرع الا ما يراه ، ولان الكاتب يشير في كتابه الى ذكر الفرق بين تحليل الخطاب وعلم النص ، وهذا ما لم يُعار له اهمية من قبل (فان دايك) الذي يرى ” إن ما يطلق عليه العالم الانجلوــ سكسوني (تحليل الخطاب) يقابله في بعض الدول الاوربية ، وفي فرنسا خاصة مصطلح علم النص” مدخل الى علم النص ــ محمد الاخضر الصبيحي ــ ص76
فاذا أنعدم التوافق بين أدبيات الحضارات وهذا شيء طبيعي لا يعني استحضار الجدل اللفظي فهذا لا يحتاج الى ترقيع مسمياتي خصوصا على خلاف قائم وهذا خلط بين المفاهيم أراد به فان دايك أن يروج لنظرية كاسدة من مهدها ،فذهب الى قاعدة التمييع المصطلحي، أو إخضاع المقابلة اللفظية الى الاقحام القسري ،لان الفكر الناتج من الحضارتين يعي الفرق في التوجه الى ما ينتقي من التراث كما هو الحال مع العالم الانجلوــ سكسوني، أو الاوربي بمعنى هنالك أوجه التقاء واخرى خلافية وهو شأن حضاري بديهي، وإلتزام هوياتي أخلاقي حيال كل الافكار وليس مجرد نزاع لفظي تمثل بالمشتركات اللفظية كما يدعي فان دايك ،فاذا كان السياق هو النص هذا يعني عمق الهوة في تعميم أو إحلال المحل الخاص بدل العام وإحداث فوضى مصطلحية لا تفرق بين التابع والمتبوع ،بين الاصل وبين الفرع فيُضعف قدرته على التمايز أو التحليل بين المستويات النصية، وإنبلاج عدم الرؤية في وحدة المصطلح، فينغلق النص على تشظيات ذاته وتتعدد مفاهيمه ليتضح الإشكال في القراءة أثر في الخلاف ،ولكن القصد اوسع واعمق من هذا الخلاف إذا استحضرنا لفظة (اتفاق) المفقودة في تناغمها الحضاري بمعنى الاصطلاح ،
ولعلها ضربة فكر يقف عندها المثقف العربي وهو يهول لذلك البديل الغربي بكتلة من المصطلحات المختلفة والتي شكلت في منظومة الفكر البشري اكثر من معضلة قادت الى أزمات على مستويات الوجود وقراءته الى تحقير الاخر الذي ساهم الى حد ما في رسم صورة الاستلاب الثقافي وهشاشته وهو ينهل من الغرب ما يظنه ولود، والحقيقة فلكل مكانته واستقلاليته وتجريديته ومنابعه ،فإذا كان النص شكل يدخل حيزه مكتوبا كان أو ملفوظا أو مصورا في كتاباته وهو الاقدم ” فالنص إذن ، عينة من السلوك اللغوي الذي يمكن أن يكون مكتوبا أو منطوقا ” مدخل الى علم النص ــ محمد الاخضر الصبيحي ص20
والمكتوب اساسه ملفوظ في نظامه الفيزياوي، وعلى مباني التاريخ انه يميل الى اللفظية أبتدا ، فهو نظام متقدم ، تصاعدي من ذات واعية لذات واعية، فليس من الثابت ان يكون مجرد الفاظ مكتوبة على الورق ومن الممكن ان يكون النص خطابا شفويا يؤثر بقدر القيمة الكتابية وسد كتلة الفراغ الفكري ، وقد إنبرى استعمال كلمة النص في اللفظ على مستوى الأدبيات المختلفة فنقول :هذا نص أدبي معروف السياق ، ونعني به كلاماً أدبياً من الشعر او النثر.. والكلام نفسه يوافق النصوص المدرسية والعلمية والفلسفية والطبية والشرعية ….وقد يظهر النص على شكل صور كتلك القديمة المرسومة على الكهوف أو المنحوتة على الحجر أو صور من الفوتوغراف متسلسلة في نظام أو محاكات.