روبن ويجلزويرث
أفاعي الكوبرا تحظى باحترام في الثقافة الهندية، لكن الحُكم البريطاني اتخذ وجهة نظر سلبية تجاه الأفاعي السامة. تعهد المسؤولون بجائزة مُجزية مقابل كل ثُعبان ميت – وهو برنامج، وفقاً للتقاليد الاقتصادية، كانت له نتائج عكسية فظيعة. بدأ الهنود المُغامرون في تربية أفاعي الكوبرا لتحصيل الجائزة، ما اضطر الحكومة الاستعمارية إلى التخلّي عن الخطة. بعد ذلك أطلق المُربّون المُحبطون أفاعي الكوبرا التي لا قيمة لها، الأمر الذي فاقم من انتشارها. لم يتم تأكيد القصة بالكامل من قِبل المؤرخين، لكن تمسّك بها الاقتصادي الألماني، هورست سيبيرت، الذي نشر في 2001 كتاب “مفعول الكوبرا”، الذي يتحدث عن الحوافز الضارّة والعواقب غير المقصودة. وحوّل الكتاب الحكاية إلى مثال قوي على كيف أن الحلول لأي مشكلة يُمكن أن تجعلها أسوأ.
يُمكن القول إن ظاهرة مماثلة حدثت في الأسواق المالية. فمنذ الخسائر المؤلمة التي تسببت فيها الأزمة المالية، سعى المستثمرون إلى طرق جديدة ومُعقدة من أجل اللعب في السوق بأمان أكثر. وكثير منهم لجأ بشكل متزايد إلى استراتيجيات الاستثمار “المنهجية” القائمة على أجهزة الكمبيوتر، التي تهدف إلى تعظيم العوائد وتخفيف المخاطر في الوقت نفسه – بغض النظر عن ظروف السوق.
عوامل الجاذبية في هذا الأمر يُمكن فهمها. فكثير من عوائد الاستثمار لشركات إدارة الصناديق التقليدية كانت ذات أداء منخفض باستمرار، على الرغم من أن هذا لم يُقلّل من رسومها الباهظة. وهذا عزّز من جاذبية صناعة الاستثمار المنهجي، وأوجد جيلا جديدا من مديري الأصول العلماء الذين يستخدمون خوارزميات مُعقدة للتغلّب على السوق. صناديقهم، المُتحرّرة من أغلال التحيّز البشري ورد الفعل البطيء، تُسخّر قوة أجهزة الكمبيوتر لاستغلال الملايين من فرص الاستثمار الضئيلة بشكل مستمر وتلقائي، من خلال استخدام أدوات إدارة المخاطر المُتطوّرة التي تهدف إلى ترويض التقلّبات بدلاً من الشعور بالرعب منها.
لكن اضطرابات البورصة الأخيرة أثارت مخاوف جديدة من أن هذه الاستراتيجيات المأتمتة والقائمة على الخوارزميات تُفاقم المشكلات، ولا تعزل المستثمرين عنها. ويخشى بعض المحللين والمستثمرين من أن الاستراتيجيات المنهجية هي نسخة مالية من فكرة مفعول “الكوبرا”.
يقول أندرو لو، أستاذ المالية في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا “كنّا نُربّي أفاعي الكوبرا، ونحن الآن نُطلقها في البريّة. ينبغي لنا القلق بشأن هذه الظاهرة المُتنامية (…) فهذه لم تعُد صناعة منزلية”.
ويخشى بعض المحللين من أن ظهور استراتيجيات الاستثمار المنهجي جعلت الأسواق حتى أقل قابلية للتنبؤ بكثير، وأكثر تقلّباً، ويُحتمل أن تكون عُرضة للحوادث المُفاجئة التي لا يُمكن تفسيرها في حال استمر صعود دور التداولات المأتمتة القائمة على الخوارزميات.
ويُحذّر فاديم زلوتنيكوف، كبير الاستراتيجيين في شركة إليانس بيرنشتاين لإدارة الأصول، من أن “تحديد كل دورة استثمارية يتم من خلال الرغبة الجماعية في تجنّب أخطاء الدورة السابقة. إذا أخذنا هذا الأمر إلى حدوده القصوى، غالباً ما يُصبح هو الحافز للأزمة المُقبلة”.
هلع الأسواق
شهر آب (أغسطس) كان واحداً من الشهور الأصعب على الإطلاق بالنسبة إلى البورصات العالمية. “مؤشر الخوف” في وول ستريت؛ مؤشر فيكس الذي يقيس توقّعات المستثمرين للتقلّب، ارتفع إلى أعلى مستوياته في ستة أعوام. واستمر الاضطراب في أيلول (سبتمبر)، الأمر الذي جعل الربع الثالث هو الأسوأ بالنسبة إلى الأسهم منذ عام 2011.
وكان هناك كثير من الأسباب الأساسية للاضطراب – ولا سيما افتقار الثقة بالاقتصاد الصيني – لكن بعض المحللين ومديري الصناديق يلقون باللوم على استراتيجيات الاستثمار المنهجي لتسبّبها في تضخيم الانهيار.
ولا توجد تعريفات واضحة، لكن الاستثمار المنهجي هو جزء من الصناعة المالية “الكميّة” الأوسع، التي تعتمد على التطورات الهائلة في القوة الحاسوبية لاستخراج فرص مُربحة من الأسواق. من الأنصار رفيعي المستوى هناك “بريدجووتر” وAQR، وهما أكبر مجموعتين لصناديق التحوّط في العالم، وفي المملكة المتحدة هناك وينتون كابيتال وفرع AHL التابع لمجموعة مان.
واحد من أساليب تخفيف المخاطر الأكثر شعبية جذب تدقيقا خاصا. كثير من الصناديق المنهجية تستهدف مستوى معينا من التقلّب في الأسواق، استناداً إلى الأدلة الأكاديمية بأن الاضطراب يغلب عليه أن يعمل على توليد مزيد من الاضطراب، والهدوء يغلب عليه أن يؤدي إلى مزيد من الاستقرار. لذلك عندما تُصبح الأسواق مُتقلّبة، والصناديق التي تستهدف التقلّبات تُصبح حذرة، وعندما تهدأ الأسواق، يعود المستثمرون المنهجيون إلى الغوص مرة أخرى.
مثلا، إذا كان هناك صندوق أسهم منهجي يهدف إلى الحفاظ على ثبات تقلّباته عند نسبة 10 في المائة، فعليه استخدام الرفع المالي لمُضاعفة تعاملاته في حال انخفض متوسط اضطراب الأسهم إلى 5 في المائة. من ناحية أخرى، إذا تضاعفت تقلّبات البورصة، عندها يجب على الصندوق تخفيض تعاملاته إلى النصف. تبيّن أن هذه استراتيجية ناجحة خلال معظم العقد الماضي، من خلال مساعدة المستثمرين على تفادي الخسائر.
يقول رئيس أحد صناديق التحوّط المنهجية: “إذا كان هناك شيء أفضل من استهداف تقلّب ثابت – باستثناء تجربة لعبة التاروت أو اللجوء إلى التنجيم – عندها سأكون مُهتماً جداً بسماعه”.
مع ذلك، كثير من المحللين ومديري الصناديق المنافسين يخشون أن استراتيجيات الاستثمار التي تُركّز على التقلّبات في الواقع تُفاقم الاضطراب الذي يسعون إلى تجنّبه، من خلال إجبار الصناديق بشكل تلقائي على تخفيض التعاملات في منتصف عملية بيع مُكثّفة، الأمر الذي يجعل التقلّب أسوأ ويخلق حلقة مُفرغة من ردود الأفعال. ليون كوبرمان، أحد مديري صناديق التحوّط المعروفين، قال لشبكة CNBC في أوائل أيلول (سبتمبر): “يبدو أن الآلات تسود”. رئيس أوميجا أدفايزرز يُلقي باللوم على من يُسمّيهم “المستثمرين الفنيين/على مستوى النظام المالي” في أدائه السيئ في آب (أغسطس)، ويجادل بأن هذه الاستراتيجيات القائمة على أجهزة الكمبيوتر عملت على تضخيم الأزمة. وأضاف في حديثه إلى القناة التلفزيونية “في العالم الذي نشأت فيه، والعالم الذي نشأ فيه وارن بافيت، عندما ينخفض شيء ما فإنك تريد امتلاك مزيد منه، وفي العالم الذي نحن فيه الآن، إذا ارتفع شيء ما فإنك تريد امتلاك مزيد منه، وإذا انخفض فإنك تريد امتلاك قليل، وهذا أمر مخالف للحدس تماما. إنه يفتقر إلى المنطق”.
بعض مديري الصناديق والمحللين هم أكثر تردّداً في إلقاء اللوم على “الآلات” في تفاقم أزمة آب (أغسطس)، لكنهم يقضون مزيدا من الوقت على نحو متزايد في محاولة فهم هذا الواقع الجديد القائم أكثر على أجهزة الكمبيوتر. ويعترف لوكا باوليني، كبير الاستراتيجيين في شركة بيكليت لإدارة الأصول، بأن “السؤال الكبير هو ما تأثير جميع هذه الاستراتيجيات المأتمتة في السوق. نحن لا نعرف تماماً. إننا نقوم بمزيد من العمل حول هذا الآن”.
توازن المخاطر
استراتيجية معروفة باسم “مُعادِل المخاطر” جذبت اهتماماً خاصاً. صناديق مُعادِل المخاطر تستثمر في مجموعة متنوعة من فئات الأصول وفقاً لاضطرابها، بهدف إبقاء مساهمة التقلّب لكل منها ثابتة ومساوية للتالية. هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحها في العقود الأخيرة، لكن يخشى بعض النقّاد أنه من خلال إعادة التوازن استجابة إلى الاضطراب بإمكانها في الواقع تعميق مسارات السوق.
حتى إن بعض التقليديين في الاستثمار يرون أوجه تشابه مع استراتيجية “تأمين المحافظ الاستثمارية”، وهي استراتيجية أخرى تم تصميمها لمنح المستثمرين مزيدا من الأمان في الثمانينيات، لكنها في نهاية المطاف ساعدت على إثارة أزمة “الإثنين الأسود” عام 1987. ويُجادل رالف سيجال، كبير الإداريين للاستثمار في “سيجال براينت آند هاميل”، شركة إدارة الأصول التي يوجد مقرها في شيكاغو “هذه فكرة قديمة في زجاجة جديدة. تماماً مثل استراتيجية تأمين المحافظ الاستثمارية، فهي تنجح حتى تتوقف عن النجاح”.
مع ذلك، استراتيجية مُعادِل المخاطر ربما تُعيد التوازن بشكل بطيء جداً على نحو لا يكفي لتكون لها مساهمة معقولة في أزمة الشهر الماضي. مديرو صناديق مُعادِل المخاطر يعترضون بشدة على المزاعم، مع توجيه بعضهم أصابع الاتهام إلى صناعة استثمار منهجية رفيعة المستوى أخرى – تُسمّى “مستشارو تداولات السلع الأساسية”.
على الرغم من الاسم، إلا أن مستشاري تداولات السلع الأساسية هم في الواقع صناديق تحوّط تتبع الاتجاه العام وتستخدم الخوارزميات والمُشتقات من أجل اللعب في مجموعة متنوعة من الأسواق. الأوراق المالية التي انخفضت تميل إلى الانخفاض أكثر، وتلك التي ارتفعت تميل لمواصلة الارتفاع، ما يمنح دفعة لعبارة الاستثمار المُبتذلة أن “الاتجاه هو صديقك”. ويحوّل مستشارو تداولات السلع الأساسية الأمر البدهي إلى أطروحة الاستثمار الأساسية الخاصة بهم.
القطاع يرفض الادّعاء بأنها تجعل الأسواق أكثر عُرضة للتقلّبات الحادة. يقول رئيس أحد مستشاري تداولات السلع الأساسية: “من المحتمل أننا نعمل على تربية أفاعي الكوبرا، من خلال الإقدام على شيء يجعل النظام محفوفاً بالمخاطر. أنا أُفكّر في ذلك كثيراً، لكنني لا أعتقد أن هذه هي الحال. نحن لسنا أغبياء، فنحن نحاول بالفعل تقليص التأثير”.
ويعتقد محللو “جيه بي مورجان” أن هناك نحو 500 مليار دولار من الأصول في استراتيجيات مُعادِل المخاطر على الصعيد العالمي، و350 مليارا أخرى في استراتيجيات مستشاري تداولات السلع الأساسية. لكن من المحتمل أن هناك مجموعة أكبر بكثير من الأموال تستجيب بسرعة أكبر بكثير لارتفاع التقلّبات من خلال البيع، وللأسواق الهادئة من خلال الشراء.البيانات عن مجموعة أوسع من صناديق الأسهم السلبية مع نوع من التقلّب الذي يستهدف “التركيب” مُتفرّقة، لكن “جيه بي مورجان” يُقدّر أن هناك نحو 360 مليار دولار فقط في منتجات التأمين تُسمّى “الرواتب التقاعدية المُتغيّرة” التي تستهدف مستوى معيّنا من الاضطراب وتستجيب بسرعة للاضطرابات. مع ذلك العالم الشامل للصناديق الحسّاسة للتقلّبات ربما يكون أكبر بكثير.
بالتاس، المحلل في بنك يو بي إس، متشكك في أن الصناديق المنهجية لعبت دورا كبيرا في أزمة آب (أغسطس). ويُجادل في تقرير صدر أخيرا، بأنه في حين إنها تستطيع “قطعاً” مُفاقمة أي أزمة من الناحية النظرية، إلا أن ذلك “موضع شك كبير” من الناحية العملية. لكنه يُقدم مُتّهما محتملا آخر: شركات التداول عالية التردد. مجموعات التداول عالية التردد تنشر أيضاً خوارزميات فائقة السرعة للاستفادة من فروقات الأسعار العابرة، وقد جذبت تدقيق الهيئات التنظيمية بسبب دورها في زعزعة استقرار الأسواق المزعوم – أبرزه في “الانهيار الخاطف” عام 2010. كتب بالتاس “في الفترة المضطربة التي استمرت أكثر من أسبوعين، مع نشاط كبير خلال اليوم، نعتقد أن صناديق التداول عالية التردد يُمكن أن تكون قد لعبت دوراً”.
الخطأ البشري
مجموعات الاستثمار المنهجي تسخر من الاتهامات، بحجة أن المحللين ومديري الصناديق المنافسين يُبالغون بشكل صارخ في مدى استجابة خوارزمياتهم للارتفاع في التقلّبات، وميلهم إلى إعادة التوازن ووزنهم بشكل عام.
هناك نحو 18 تريليون دولار موجودة فقط في صناديق الاستثمار المشتركة في الولايات المتحدة، مقارنة بتقديرات “جيه بي مورجان” البالغة نحو 1.2 تريليون دولار على الصعيد العالمي في الاستراتيجيات الحسّاسة للتقلّبات. علاوة على ذلك، المستثمرون البشر هم أكثر عُرضة بكثير لنوبات الذعر التي تُفاقم الاضطرابات.
بريدجووتر، أكبر مجموعة لصناديق التحوّط في العالم والمستثمرة في استراتيجية معادِل المخاطر، قالت في تقرير صدر أخيرا “إن مستثمري صناديق الاستثمار المشتركة للأسهم يميلون إلى البيع استجابة لانخفاض الأسعار لأنهم يصابون بالقلق الشديد، وهم أكبر بكثير. ولنفرض أنهم يميلون بالفعل إلى القيام بذلك، ماذا ينبغي أن نفعل حيال الأمر – منع أولئك الذين يرغبون في البيع عندما تنخفض الأسعار”؟
مع ذلك، سواء كانت أجزاء، أو كل عالم الاستثمار المنهجي الذي يستهدف التقلّبات هو المُلام على تقلّبات البورصة في آب (أغسطس)، يقول بعض المحللين ومديرو الصناديق “إن هذا هو الواقع الجديد للأسواق الذي ببساطة يجب أن يتكيّف معه المستثمرون: أكثر تقلّباً، وأكثر اعتمادا على التكنولوجيا، حيث الخوارزميات مهمة بقدر المتداول البشري الذي يجلس في قاعة التداول في أحد مصارف وول ستريت أو شركة لإدارة الأصول في بوسطن”.
لا يشعر الجميع بالحماس بشأن هذا الاحتمال. يقول لو، من كلية سلون للإدارة “إن التداول المنهجي ليس سيئاً بطبيعته وهو هنا ليبقى، لكن المسألة هي أن ما من أحد هناك ليُراقب هذا. نحن لا نملك إطار العمل التنظيمي اللازم للتعامل مع هذا النوع من التداولات. إننا بحاجة إلى معالجة هذا الأمر على وجه السرعة”.

التعليقات معطلة