قيس مجيد المولى 
سأكشف عن بهاء العالم
لا يمكن لشيء أن يكون دون غاية، وقطعا تبعا لمعنى ما ولضرورة ما، ولم يتبق من ملامح الوقت غيرُ صوت الزجاج عندما رشفته الغيمةُ بالرشفات الدافئة البكر، ومن بُعد لا يُرى ظهرت المراكب كقطع شطرنج عند تحريكها وكان من الصعب أن تفسر تلك الإستدارة المفاجئة للإتجاهات بعد أن خفت الريحُ ودارت الخطواتُ نصفَ دورة ولا تدري أي مكانية ستقف وأي زمانية ستعود.
قال أول المتناولين أفطارهُ: سأُغني غناءَ العناكب ..
وحين سمعه الآخرُ قال: سأكشف عن بهاء العالم ..
وقالت التي لفت رقبتها بمنديل: الطبيعةُ لا تسمح لأحد أن يتدخل في سلال تجاربها.
ودون اكتراث أسمَعَ الجميعَ: سأسرق الخيول بطريقةٍ تجريدية.
وقد سُحِبَ ذلك على الجلاس الآخرين أن يفتوا بمقدمات فلسفاتهم وآخرين بتنظيراتهم النفعية حول كيفية ولوجهم الطريق الأقصر للحياة.
في عزلتي وراء النافذة الزجاجية المدورة، لمحت مساحة اليابسة التي سنصل إليها وبدأ رويدا ينجلي الغمامُ والضبابُ وأخريات قطع الليل، فأخترت قدح الكرستال من الطاولة وكان فارغا وحين مس شفاهي ارتويت وتذكرت أقوالا مختلفة لا رابط لها وما أروم من وجهتي، ولا شك بأني تمنيت أن يبطئ المركب الوصول الى اليابسة لأن كل شيء بدا واضحا قبل البدء بملامسة رصيف الميناء وما بقيّت من تلك الدقائق، لذلك أطلتُ التحديقَ:
بمزهرية لوكيبوس التي أُطرت بأناء خشبي
وبسمكة ديمقريطس
فتراقصت أرقام فيثاغورس
واخترت ذلك النص الذي بينهما:
أن لا يمكن لشيء أن يكون دون غاية وقطعا تبعا لمعنى ما ولضرورة ما، وبذلك لن أكون سفسطائيا وأقفل ماهيات الأشياء بجوهر مفتعلٍ كي يعي الآخرونَ غيبياتي.
وقد اكتفوا بصمتهم بعبورهم السلم الخشبي وتوزعوا خارج ذواتهم بدون إشارات توزيع وبدأ كل منهم اللعب ووسيطه من الخيال والذي بعثته اللحظة القاتمة حين وضع الباعةُ تلك اللحظة في الأساور وفي القلادات والهدايا الرمزية الأخرى تحت أغطية الطقسية الدينية وكمرى للفضيلة وتقديرا لقوة الحكيم القوريني وأتباعه الذين بالغوا باحتقار سقراط:
قلت من الأجدر،
أن أسمِعَهم شيئا قبل أن يوغلوا بالتفرق،
بدأت الغيومُ تغلف الزجاج بالسواد الداكن والبرق يحاول إشغال المسافة عن أعين الركاب
دعوت أن لا يأتي من يقنعني وأجتاز ضفة أخرى
كي أحصلَ على المُذَنب الأسطوري
كان الجميع قد ألقوا أجسادهم تلك المياه الذهبية على شاطئ البسفور عند مدينة (يلوا) وبيني وبين ما أريد أن أقولَهُ.
مجرد الهبوط خطوة واحدة أخرى من السلم مقابل الجهة التي ستقول لي كل شيء لكني فضلت الإنتظار وبقيت هكذا في اللحظة التي لمَ المركبُ نفسه والمنتظرون المغادرة ولمني وعدت من حيث أتيت ولم أخطُ تلك الخطوة دون حتى النظر لما خلفي ولو نظرة عاجلة ولو نظرة طائشة، وقبل جلوسي وقفت النافذة المدورة تناولت قدح الكرستال ومسست به شفاهي.
هذه المرة ارتويت وارتوى من كانوا ينظرون إلي بعد أن بقيّت في أنفي رائحة الكرز وفي روحي المسافة التي يحاول البرق أن يشعلها ولا تشتعل ولم أجد من ضيرٍ من أن أتناول إفطاري وأغني غناءَ العناكب.

التعليقات معطلة