نضال القاضي
أمضيتُ وقتا طويلا معي.. ألِفتُني جدّا ..أحيانا كنتُ أملُّني فأطويني طيّ الورقةِ وأحشُرُني في مكانٍ ثمّ أنساني !.. ذاتَ مرّةِ لَفَفتُني لفّاً.. ووضعتُني في فمي ..مضغتُني جيّدا وابتلعتُني كي لاأتعذّبَ في البحث عنّي في يوم آخر ..الآن وقد أصبحتُ فيّ تماما.. بمقدوري أن أفكّرني كما أشاء .. أحوّلني كيفما أشاء ..أصيرُني ثانية..ممكنٌ جدّا!! أمّا أقصى ماتكون عليه حرّيّتي فعرفتها ..!..غرفتي! ..لذا أنا الآن غرفةٌ وكثيرةُ النوافذ ..أنامُ وأنسى أحيانا بعضَ نوافذي مفتوحة فلم أعدْ أعبأ حقيقةً باللصوص يتقافزون من حولي ..هم أنفُسُهم الذين يحملون لي عبوة الغاز حين تفرَغُ في الصباحات الباردة والنهارات الساخنة متسلّقين السلالم ولاأحدَ منهم فكّر يوما ,جدّيا ,بالسطو .., والسطو على ماذا ياترى ؟على كتب .. حفنة أوراق في حقيبتي الملقاة بلا اكتراث على المائدة لاتغني ولاتسمن ..!؟ صوري الشخصية ؟! بعض حليٍّ فضّةٍ والفضّة لاتغري كالذهب ..لا..لا..لاأظنّ ..لكن مع امتناني لشهامة يخصّونني بها وحدي لم أفهم الى الآن لماذا هم ملثّمون ؟ عيونُهم تعميهم فيتخبّطون في حركةِ أيديهم وأقدامِهم ,ومع ذلك كنت أخفي عنهم قرون الفلفل الحارّ ففي لحظة من اللحظات استعصى عليّ الحصول عليها مع طبق السمك اليوميّ الذي لاأغيّرُهُ ولايغيّرني ..وذاتَ مرّة تثاءبتُ وحرّكتُ ردفتيْ شبّاكي لأتمطّى ذاتَ اليمين وذاتَ اليسار..فلم يتذمّروا..على العكس ساعدَني أحدُهم في التنحّي قليلا من أجل جعْلِ الرؤيةِ أوضحَ صوبَ شجرة ٍفي مدخل ٍ ترابيّ ليس ببعيد . جلستُ بعدذاك أعالج عيوبَها على ورقة ..في الورقة وجدتُ أيضا كلماتٍ كثيرةَ العيوب فرُحْتُ أفتّشُ لها عن مرادفاتٍ بملامحَ حادّةٍ وقامةٍ أطولَ..وقد استهلكتُ..استهلكتُ ورقا كثيرا ووقتا طويلا كنتُ خلالها أعثرُ عليّ مقرفصةً فأناولُني كأسا من الزنجبيل ممزوجا بالصودا وأستأذنُني ,أحيانا لاأردّ على هاتفي وأؤجّلُني !..بل أجّلتُ مواعيد كُثْرا.., لم أعد أحتملُني ..حتى ذلك اليوم الذي استيقظتُ فيه ولم أجِدْني ..خرج بيتي ..خسرتُ وظيفتي ..الرجلَ الذي أحبّ ..أو أحببت لاأدري أيّهما .. لايهمّهُ!!..لايهمّني !! .. بقي أن تمتثلَ الشجرة لتحديثاتي ..أن تتكيّفَ بوضعها الجديد .وقد اكتملتْ صورتُها أخيرا ,في نظري طبعا, وقد أفرَغْتنُي من مخيّلتي وأحللتُها..أفرَغْتُها منها وأحللتُني.. تماما ..تماما حتى لم يعد أحدٌ غيرنا في المكان أنا أو هي ..هي أو أنا ..فسرقها اللصوص.