محمد شنيشل الربيعي
من طبيعة الفهم والاستكناه هي التدبيرية في النص ،وحدوث ذلك لابد من تواجد نظام يحفز مراكز العقل على أن تتعامل مع المادة كحقيقة مجردة من الثيمات الموضوعية ،وهذا يضبط غرض التأويلية المؤدية للسياق العلمي أزاء أي نصية ، حيث إنصاف لحقيقة النص، لكن الحاصل يجانب الحقيقة ، منغمس في إنكفائه على التصور اللفظي فقط والذي يتكور وينتفخ بتباين المفاهيم ويُنصَب حاكم على محكومية اللغة فقط ،الامر الذي يجعل الناتج تقييم لمجموعة من العناصر اللغوية الإعتباطية والموظفة توظيفا إنحداريا أيديولوجيا ،لكن قد يفوتنا أن العنصر في اللغة لا قيمة له في الذات الاكبر ، إذا لم ينصهر في كلية النسق,فهو إذن مرتبة دنيا لا يؤثر في النسق الوحدة ،والنسق هو المحور الكلي للعلاقات وللعناصر اللغوية ،كما أن ظاهرية الدلالة في العنصر لا تعمل على مشتغلات سلطة المفردة دون القرائن بتمامها ، فمن خصائص اللغة أن تنساق لانساقها ، وليس لبعثرة عناصرها من أجل الحصول على طرق سياقية تتميز بحريتها وتنتقل من مكان دلالي لآخر منتجة دلالات ومولدة تأويلات ، فبدلا من ان يكون النص بمجموع انساقه كتلة صلدة، يتحول الى خاصرة رخوة من التأويلات أو المقاربات اللامسؤولة ،لان ترك السياق بحرية العمل وتعددية الطرق وفق شروط السياق هي بعيدة عن أرض واقع النص ، وقد يطلق على الطريق بعض التعب فيقول سائل : أليس النسق من اللغة ، وما تتلونه هو إشارة الى ذلك ؟
السؤال فيه من الصحة ما يجعلنا أن نوضح ما هو السياق قبل أن نلج الاجابة .
في اللغة ” نسق : النسق من كل شيء : ما كان على طريقة نظام واحد ، عام في الأشياء ، وقد نسقته تنسيقا ، ويخفف . ابن سيده : نسق الشيء ينسقه نسقا ونسقه نظمه على السواء ، وانتسق هو وتناسق ، والاسم النسق ، وقد انتسقت هذه الأشياء بعضها إلى بعض أي تنسقت . والنحويون يسمون حروف العطف حروف النسق لأن الشيء إذا عطفت عليه شيئا بعده جرى مجرى واحدا”
راجع لسان العرب لابن منظور/ باب النون ، مادة (ن س ق)
إن الانسقاق مكونات متراصة من الموضوعات قد تنفصل في دلالتها هنا أو هناك ، لكنها بالنتيجة مكتفية بذاتها لتكون وحدة نصية على مستوى اللغة أو على مستوى الدلالة أو …، وهي ليس بحاجة لغيرها وذلك لمتانتها في قوة النص ،إلا أننا نلحظ ضمن مقاسات قوة الربط بين افرازات العناصر وأنساقها وهو مقصد عام يلم النص من الجزئية القرائية الى الكلية الحسية، نلحظ هنالك من يحاول أن يوهن من قوة النسقية في قراءته ، واهما له ذلك فهو يعمل على تناول كل عنصر على حدة ويصوغها نسقية سياقية من جديد ،لكنه يفشل حتى مع استبدال اللفظ في نظام المشترك ، فتراه لم يؤثر ذلك على فهم المقصد النصي , لانه أساء فهم الانساق فهو لا يعرف أنها لا تتوقف على فهم الحاجة الى إستنطاق الدلالة الثابتة التي قبلها أو ما بعدها ، كما أنه غير قادر على فهم قوة النسق على اصلاح ذاته بذاته وهذا الامر المؤمل منه تغيير المسار الحقيقي فاذا هو يكشف القراءة المغلوطة واقحام الايديولوجية فيحول النسقية عند العرف بها من لغوية الى حسية ،عقلية
لكن ما يحصل من إيهام للقاريء بإعادة النص الى السياق وفق أي مبنى نسقي يشاءه بافراد دلالة نتيجة قراءة عناصر يفتح بها المغالق الغامضة ، وإعتقاده اكتشاف أن هذا العمل هو الكاشف الحقيقي للنص ، والانساق اللغوية ما هي إلا مفاتيح للنص إذا ما أنضم العنوان اليها ، لذا نجد العودة للنص لا العودة للسياق المتذبذب .
الكثير يتصور أن النص فيه من الحُجُب ما لا يفتح الا بمفاتيح المصطلح الغربي والنظريات المعاصرة ، فيستنسخ تلك المعارف راكنا عقله بجواره ، تاركا مبدأ الفائدة من التزاور والاطلاع ، متناسيا فهمه للنص غير فهمه لسياقه ،الامر الذي يجعله عارض لغة على النص ، غير مستكشف في حال توافقية اللغة في خطابها مع النص لدليل على أن اللغة قد سمت بالنص وهذا ما قد أشرنا اليه آنفا ، أما إذا لم تتوافق معه فهذا دليل على أنها في خطابها لا تنتمي اليه وبالتالي فهي ليست من جنسه.
وهذا ليس من مقصدنا أن نرتبط بالنص لغة ، ولا شعورا لاننا داخل التماهي المؤثر باللاشعور، وهذا ما يجعل فعالية الانتماء التداولية مؤثرة في نظام الوعي وإمكانية السيطرة عليه (التماهي) من الوعي ضعيفة،فيكون اللجوء الى العناصر ظنا منه الحصول على نسق التماهي كله والسيطرة على خصوصيات اللغة والسياق
نتعرض ونحن نبحث عن الهوية الى مزدوجات فكرية وتراكمات تاريخية ليس بالضرورة أن تكون مرضية للاستكناه ،ونحن لا ننكر أن الانسان في موضع الدفاع يتحول الى طاقة ثانية قد يرجع فيها مراحل النشوء الاولى ، وإذا كان التماهي وسيلة دفاعية فهذا لا يبرر ان تكون الغاية من السياق إقرار الراديكالية على مستوى النص ، ولكي نحافظ على منطق التوازن العقلي نلتفت الى المطبات الفكرية العاصفة بتكوين الذاتية المسرفة وتجنب ما يلصق بالوعي من تهويش ، وإعلان مبدأ الحقيقة التي تعني تقصي مبدأ التفاوت الفكري السياقي . إن منطوق اللغة في علميتها هذه تتعلق بالقدرة الصادقة على إنجاب نماذج صادقة وهي ليست من التوافق الخطابي مع النص فحسب، بل تصديق كل ما يجلو النص من قراءات على مستوى المعاصرة وعدها قرينة ربط للمحتوى الصادق فقراءة مفكري النص هي لا تزال تدور حول المناهج اللغوية واللسانية ، لانهم يرون أن النص انظمة من لغة محسوسة يستطيع القاريء أن يدرك فيها الفهم من لفظها وتراكيبها وأصواتها المتحولة وهذا الامر ينفي حقيقة النص كونه لغة والنظر الى اللسان اللغوي فقط .
إننا لا نتحدث عن توافقات بين النمطيات النصية ، وإلا الخلاف القرائي متوافر في النص الواحد بغض النظر عن تسميته وإنما البحث يكون عن طرق اكثر محايثة أو مكوثا بالقراءة ، ومنطق اللغة هو العلاقات والوشائج المترابطة لإنتاج انظمة فكرية وتوسعة معرفية قادرة ان تحرك اللغة في نسق مفتوح لتعمل الاخيرة على انتاج أزمنة جديدة وهي فردية متبلورة من الذات التي تحيد الاخر وتفرض صرامة في الدفاع من تقديرها للموقف المتأزم كما وأنها خلاصة في إنبعاث الذات كمركزية أولية تعتقد أنها تنطلق من خبرة جمعية متأتية أثناء طرح الالفاظ والتي يمكن أن تلازم جوهر الفيض الفكري بمعناه الايديولوجي المنبعث دائما من الذات المفردة .فحينما ينفرد النص على مباني فنية اللغة ، تنذلق السنة الانا وتعمل الذاتية في النص بوصفه خطابا آيديولوجيا،تترتب عليه مفاهيم وقراءات خارج النص وخارج الحقيقة ، أما النظرة الخارجية فهي وصفية لذلك الخطاب، تتناول فيه عالم النص على اساس كونه منظومة ثقافية تخرج من لوازم الحدود القيدية الى فضاء أوسع قراءةً فيكون للقاريء الحق في تشكيل الخطاب بكل مضامينه ،الامر الذي يتحول فيه القاريء الى محاور ومشارك ، ولو تفحصنا اللغة الاولى التي تحمل الانا الداخلة نشاهد أنها تتصف بسلوك فردي مركزي لا يشترك فيه اي نزوع خارج النفس ، فهي بالنتيجة مقفلة بنتاج النفس وكوامن اعماقها دون النظر الى الخطاب ،أو المشاركة مع تعددية المعلن والمرئي، والذاتية مدركة لموضوعية اعلان نتائج ذاتية تصتدم بتقديرات أيديولوجية ، لذلك تعمد على اقحام مؤشرات جديدة تدلل بها على معرفة النص، وسياق ألابنية التقليدية فتحيل معرفتها من داخل اللغة نفسها وتضغط باتجاه شبكة من العلاقات الترابطية المؤصلة لهذا الاتحاد الداخلي المؤدلج .