أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي 
كثيرا ما يتم الخلط بين الحداثة كمفهوم متجدد دال على حركية منحنى النشاط الإنساني وفقا للزّمكان والممارسة الإبداعية كانعكاس متصل بمنسوب الفهم الحقيقي لجوهر الحداثة كمتغير يفرض حتمية تطوير العقلية  باتجاه نوع من التعايش مع نتائج ما تصنعه الأنامل من علامات فارقة مجسّدة للإختلاف الطبيعي بين جيل منصرم و آخر لاحق وهكذا..
إبداعيا .. لست أخال أشكال التطور تمنح ذرائع ومبررات الخروج عن منظومة الأخلاق الثابتة المسخّرة للإنسان كل ما ينبض به الكون،والمحتفية دوما ببشرية هذا الإنسان وعظمته وتكريمه على ما سواه.. 
وإذن … لماذا كل هذا التهافت الرخيص على سلبيات الحضارة وغرز المخالب في نفاياتها وقشورها بغرض تلطيخ الصفحات الأكثر إشراقا في تاريخ الخصوصية العربية ، ومن ثم إتلاف ملامح الهوية السليمة عموما؟
كما سبق وغرّدت في بعض مقالاتي ، أعتبر من الغباء جدا التعامي عن ما تفرزه روح العصر ، كون هذا تصرفا بدائيا مفوّتا فرص استنباط ما يؤهل لتطعيم بوادر صنع مستقبل مستقل أعمق من أن يتقمص الصدى الناجم عن التأثير الأجنبي فينا . شريطة ألا يصل هذا التأثر حدّ التبعية . فكما ألاّ وجود ـــ مطلقا ـــ لحضارة تأسست على العدم وانطلقت من الصفر، لا يوجد ضير في استقاء إيجابيات العصر و مناقبه بغية إعادة إنتاجها وسوغها وفق المتماشي والإمكانيات الخاصة، بمعزل عن الإنغماس في التعاليم الرجعية المتقادمة منتهية الصلاحية، وحرصا في الوقت ذاته على عدم القبول بالقطيعة مع الثوابت والقناعات المكللة بنياشين الفطرة والجبلّة المعتدلة.  
إبداعيا.. هل من أشكال التحضّرالتحجّج بضرورة نقع التجارب في مستنقعات قاموس اليومي المغرق في الخنى ؟
 يجري إدمان استعمالات الألفاظ النابية وكأن لا استقامة ولا جاذبية للتعبير بخلافها. أعلى هذا النحو الضيق وغير المنطقي، يجدر بنا فهم الحداثة؟
أعتقد أن سير الأشياء وأضدادها إما متوازية أو متقاطعة  متعارضة ، لا ينبغي أن يكحّل أعيننا بمعسول التفنن في تقليد الآخر وتهجي  أبجدية النمطية وتجاهل حقيقة مرّة تذكرنا على الدوام بالعبور الخاطف لركب نحن مغيّبين عنه، وقافلة هاربة على أحلامنا المشروعة. 
أن ينكب اهتمام فئة مغرّر بها من الكتاب على قاموس اليومي الطافح بما يفسد الذوق ويخدش الحياء، على نحو من الإستغلال الخبيث لحيز الحريات المتاحة ، مع العلم أن القصد الكامن خلف ذلك لا يتعدى الترويج للميوعة والتفسخ والإنحلال ، والتمكين من نخر نخاع الهوية والقناعات الراسخة. أن يحصل هذا فمعناه ألا عيب يسجّل على لغة الضاد الفريدة والساحرة والمهيمنة والحية أبدا،بشهادة الصدّيق والدعي على حد سواء، لكن العيب من دون شك ، في ما يجعل السّخف المتفوهة به ثلة الببّغاوات ،في مستوى الحضوة والشعبية لدى  الأطياف المجتمعية التي تفوق نسبة الأمية داخل أوساطها، كمعدل متوسط ،الخمسين بالمائة ،فضلا عما تمليه ضغوط العيش وتعسّفات الأجهزة القمعية ، من جنوح جماهيري إلى مواطن اللذة ،وإن عن طريق كلمة عارية خليعة تختزل أرذل درجات الفحش..

التعليقات معطلة