سميح صعب
تخطئ الولايات المتحدة اذا اعتقدت ان العملية العسكرية الروسية في سوريا وظيفتها حماية نظام الرئيس بشار الاسد من السقوط والحفاظ على قاعدتها البحرية في طرطوس التي كانت – قبل التعزيزات الروسية في سوريا – آخر موطئ قدم لروسيا في الشرق الاوسط بعد الخسارات المتتالية التي منيت بها موسكو في المنطقة منذ معاهدة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل وصولا الى تفكك الاتحاد السوفياتي وخسارة دولة اليمن الجنوبي سابقا بعد الوحدة اليمنية عام 1990 وتفكك الصومال في العام ذاته وما تلا ذلك من خسارة العراق بعد حرب الخليج الثانية وما انتهى اليه ما يسمى بـ»الربيع العربي» من خسارة ليبيا نهائيا بعدما تقاسمها الغرب والاسلاميون.
ان العملية العسكرية الروسية تتخطى في بعدها الستراتيجي الجغرافيا السورية، لتؤشر الى انطلاق معادلة سياسية – عسكرية جديدة على مستوى الشرق الاوسط بكامله. هذا ما يدل عليه الهجوم الروسي العسكري ضد الارهاب في سوريا والهجوم الديبلوماسي المتمثل في اعادة انتاج علاقات وثيقة مع العراق ومصر وبناء علاقات وطيدة مع تركيا والسعودية وهما دولتان تعارضان بشدة الغارات الروسية في سوريا. وطبعا لا حاجة للتذكير بالعلاقات المميزة بين موسكو وطهران سواء على الصعيد الاقتصادي او في تطابق المواقف حيال الكثير من القضايا الدولية وفي مقدمها الازمة
السورية.
وليست المعادلة الروسية الجديدة مقتصرة على الشرق الاوسط، بل ان روسيا توسع قوس التحدي للولايات المتحدة من الشرق الاوسط الى آسيا الوسطى. وكان الاتفاق الذي وقعته جمهوريات سوفياتية سابقة في كازاخستان الاسبوع الماضي لإنشاء قوة عمل مشتركة للدفاع عن الحدود في وقت الازمات، رسالة بالغة الدلالة. كما ان اعلان روسيا استعدادها لنشر قوات على الحدود بين طاجيكستان وافغانستان لمنع تنظيم «داعش» الارهابي من التسلل الى آسيا الوسطى، بمثابة اعادة رسم لمناطق انتشار الجيش الروسي على الحدود التي كان ينتشر فيها الجيش السوفياتي
السابق.
كما ان تهديد روسيا بنشر نسخة متطورة من صواريخ «اسكندر» المتطورة في جيب كاليننغراد ردا على احتمالات نشر اميركا اسلحة نووية في المانيا، يؤشر ايضا الى ان موسكو ليست بوارد القبول بواقع عسكري – سياسي تفرضه الولايات المتحدة في اوروبا سواء عبر الاستمرار في تمدد حلف شمال الاطلسي شرقا نحو الحدود الروسية او عبر العودة الى تعزيز الوجود العسكري الاميركي المباشر سواء في جمهوريات البلطيق او في بولونيا تحت ذرائع الخوف من تنامي القدرة العسكرية الروسية اثر ضم روسيا لشبه جزيرة القرم العام الماضي ودعم مقاتلين انفصاليين موالين لروسيا في شرق
اوكرانيا.
من هنا تأتي العملية العسكرية الروسية في سوريا في سياق روسي اوسع يرمي الى ارساء قواعد نظام عالمي جديد يكسر النظام العالمي الذي ارسته اميركا قبل ربع قرن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وكسب الولايات المتحدة للحرب الباردة.
ووفق تقرير لمجلة «الايكونومست» فإن اميركا لا تواجه تحديا عالميا من روسيا وحدها، بل ان القوة العسكرية المتنامية للصين وعروض القوة التي تقوم بها بيجينغ في بحر الصين الجنوبي، تدل على ان الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الانفراد بفرض معادلات عسكرية في كثير من مناطق العالم. والحرب الصامتة بين الصين واليابان حول الجزر المتنازع عليها في المحيط الهادي وتشجيع واشنطن لليابان على تبني تشريعات تجيز نشر قوات يابانية في الخارج للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية، يشير ايضا الى القلق الاميركي من الصعود العسكري والسياسي للعملاق الاقتصادي الصيني.
ويطرح هذا التحدي الروسي – الصيني المزدوج على الولايات المتحدة، اقوى تحد بالنسبة الى مكانتها العالمية بصفتها الدولة العظمى الوحيدة والتي لا تزال الاقوى اقتصاديا وعسكريا حتى اليوم. لكن الصعود الروسي لم يعد مسألة عابرة يمكن تجاوزها بمجرد فرض عقوبات اقتصادية على الكرملين فيعود الرئيس فلاديمير بوتين الى بيت الطاعة او يكف عن المشاكسة
عالميا.
ان روسيا عبر سوريا تثبت انها قادرة على ممارسة دور عسكري عالمي ربما لم تكن دوائر الاستخبارات الغربية بمن فيها الاميركية تتوقع ان يصل الى هذا المدى او يمكن ان تكون لموسكو القدرة عليه لا سياسيا ولا عسكريا. هذا المعطى الروسي الستراتيجي اوقع الغرب في الحيرة والارباك وجعله يعمل على استيعاب الصدمة الروسية قبل الانتقال الى مرحلة الرد او التسليم بالمكانة الجديدة لروسيا على المستوى العالمي وليس في الشرق الاوسط فحسب.