علي حسين عبيد
من الأمور التي تطفو على السطح بوضوح، ويمكن ملاحظتها من دون عناء، محاولة الرؤوس السياسية الكبيرة والصغيرة للتنصل من مسؤوليتها عما حصل من اخطاء وتجاوزات، وهنا ينطبق مضمون «الاعتراف بالخطأ فضيلة» على كل من يحاول التنصل من اخطائه ومسؤولياته من الساسة العراقيين.
إن المحاولات المستميتة لهؤلاء السياسيين للتهرب من مسؤوليتهم ليست هي الحل، وانما ينبغي مواجهة الامور بشجاعة والاعتراف بالاخطاء الجسيمة التي اقترفتها الكتل والاحزاب والشخصيات السياسية، بحق الشعب والبلد وبحق نفسها ايضا، وأن تبدأ بالعمل الفوري على التخطيط والاعلان عن خطة عملية لاصلاح الذات، تساعد الدولة والحكومة على انجاز مهام التصحيح بأسرع وقت وأفضل طريقة.
كذلك بدأ بعض من يشترك في صناعة القرار بمحاولات واضحة لخلط الأوراق، فالكل بات يدعو لتعديل الاوضاع وتصحيحها، مع انه هو اول المسؤولين عن مكامن الخلل التي تأسست في النسيج المجتمعي والسياسي، ويتضح من هذا السلوك أن هنالك إيغالا واصرارا على التهرب من مواجهة الاخطاء والمشكلات القديمة، فالاصلاح كما يؤكد اصحاب الشأن من مفكرين وعلماء وفلاسفة، ينبغي أن يبدأ بالنفس أولا، أي لا يجوز لشخص او جهة او حزب ان يدعو للاصلاح وهو لم يصلح نفسه، فبداية التصحيح ينبغي أن تبدأ بالذات، وعندما يعالج الانسان مكامن الخلل في ذاته، فقد يكون بإمكانه توجيه الدعوة للآخرين كي يصلحوا أنفسهم، وهذا يستند الى القول المعروف أن «فاقد الشيء لا يعطيه»، فإذا كان الفرد غير صالح، ففي هذه الحالة لا يمكن أن يساعد على تحقيق الاصلاح في ذوات الآخرين.
فمثلا اذا كان السياسي الفلاني، او الحزب الفلاني، يدعو الى تقويم الجهاز الاداري وسواه في الدولة، او يدعو الى اصلاح نفوس القادة وذوي المناصب الحساسة وما شابه، فإن الأولى أن تبدأ هذه الدعوة من السياسي او الحزب نفسه، فمثلا عندما تبادر بعض الاحزاب والكتل الكبيرة بإخلاء ممتلكات الدولة التي سيطرت عليها بالنفوذ والقوة خارج القانون، فهذه خطوة من الخطوات التي تساعد الحكومة والدولة على اعادة الامور لنصابها، ولذلك لا بد أن تبدأ عملية الاصلاح من الذات، لأن الفاسد لن يكون قادرا على تحقيق التصحيح الفعلي للأمور كافة، نعم هو يمكن أن يقول في اللقاءات ووسائل الاعلام كافة، بأنه مع الاصلاح ويدعو له وما شابه من تصريحات وخطب، ولكن الواقع غير ذلك تماما، فمن يتمسك بالفساد ويدعمه بالفعل، لا يمكن أن يدعو للخلاص منه بالقول
فقط.
إننا اليوم نحتاج الى خطوات فعلية للتقويم والتصحيح، يبدأ بها المسؤولون السياسيون أنفسهم، وكل من يشترك بالعملية السياسية وله نفوذ بها، أي ينبغي أن يبدأ الاصلاح بالطبقة السياسية نفسها، حتى تكون نموذجا للشعب كله، فالاحزاب والكتل التي تدعو الى الاصلاح هي نفسها تسيطر على ممتلكات عامة كما سبق القول، مثل المقرات والقصور وما شابه، وعندما تتم مطالبتها بالخضوع للقانون وتسليم تلك الممتلكات، ترفض ذلك، وفي الوقت نفسه تدعو الآخرين لتطبيق الاصلاح، هذا التناقض بين القول والفعل هو اساس المشكلة في العراق الآن، لذلك فإن جميع الامور الخاطئة التي يرتكبها المسؤولون ينبغي أن يتم اصلاحها قبل مطالبة الآخر بالاصلاح، كذلك ينبغي أن يبدأ الاصلاح بتعقّب الفاسدين والمفسدين ممن عبثوا بموارد الشعب والدولة، وينبغي ان توضع خطة واضحة لاعادة الاموال التي سُرقَت او أهدرت او تم اختلاسها في صفقات وهمية، وقد اكدت المرجعية الدينية في خطب عديدة على أهمية وضع خطة واضحة للاصلاح. إن الاصلاح يبدأ من هذه النقطة بالذات، أي من ملاحقة الفاسدين واعادة الاموال العامة المنهوبة الى خزينة الدولة، حتى القديمة منها، فهناك صفقات فاسدة وعمليات اختلاس واسعة جرت منذ بداية العملية السياسية بعد نيسان 2003، وقد سرقت فيها عشرات المليارات، وهي معروفة للجميع، فكيف بالجهات الحكومية والقضائية المختصة التي هي بلا شك تمتلك الوثاق التي تدين هذه الرؤوس، بالأدلة القاطعة، لذلك ينبغي وضع خطة اصلاحية عملية، تقتص من هؤلاء الفاسدين، وتعيد اموال الشعب العراقي إليه، خاصة اننا نمر اليوم في ظرف مالي واقتصادي خطير، قد يضع مستقبل البلاد والشعب في مفترق طرق، ونعود لنؤكد ان الاصلاح لا يمكن أن يكون له التأثير الفعال ما لم يبدأ السياسيون والقادة والاحزاب وغيرهم، بمعالجة أنفسهم أولا، وهذا هو الطريق الواضح والسليم والناجع للاصلاح، وإلا فإنه سوف يبقى ضربا من الكلام والتصريحات التي تذهب كهواء في شبك.

