حازم مبيضين
الحقيقة التي لا بد من وعيها والعمل وفق مقتضاها، لتقييم الزيارة المفاجئة للرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو، هي أنه لم يعد يملك القدرة على ضمان المصالح الروسية في بلاده، بعد أن بات بوتين الضامن الحقيقي لبقاء سوريا نظاماً ورئيساً، ما يؤكد أن الزيارة لم تكن انتصاراً كما يروج حلفاء الأسد في بيروت وطهران، خصوصاً لجهة ظروفها وطريقة الإعلان عنها، وإذا كنا نفتقر إلى أية معلومات تفصيلية حول ما دار خلالها من مباحثات، فإننا قادرون على وصفها بالسياسية، والتكهن بأنها تركزت حول مشاريع الحل السياسي، في ظل الكثير من المبادرات لحل الأزمة، ما استدعى سفر الأسد لبحث الترتيبات الانتقالية وموقعه شخصياً فيها، مع تزايد الاحتمالات بأن يكون انخراط روسيا العسكري في سوريا، مقدمة لبلورة صيغة الحل النهائي للأزمة، وبحيث تتزامن عملياتها العسكرية مع عملية سياسية، يبدو أنها تتم بالتوافق والتراضي بين موسكو وواشنطن، ولا بد من ملاحظة أن موسكو تعيد التأكيد بأنها تخوض حربيها السياسية والعسكرية، دفاعا عن مصالحها وليس عن الأسد، وهذا ما يدفعها إلى تفادي الصدام العسكري مع الولايات المتحدة وحلفائها، والحرص أيضاً على عدم الصعود إلى أعلى الشجرة سياسياً، وبحيث يصعب تجنب مخاطر الانزلاق إلى ما هو أخطر من الوضع الراهن.
بعد التداعيات الخطيرة للانخراط الروسي العسكري المباشر في الأزمة السورية، سواء على صعيد تشدد العواصم الإقليمية، التي رأت في التدخل الروسي خطراً مؤكداً، يستوجب التذكير بدروس أفغانستان، أو على صعيد الإعلان المباشر بأن أسلحة متطورة قادرة على كسر الهيمنة الروسية في طريقها إلى المعارضة، بات واضحاً أن هناك ما يشبه إعلان الحرب على موسكو وقيصرها، وهي حرب لن تتوقف عند الجغرافيا السورية، ومرشحة للتمدد إلى مواقع أخرى تستهدف الحد من الاندفاعة الروسية، وبينما رأى البعض في الزيارة مؤشراً على خلافات بين موسكو ودمشق حول مستقبل الحل في سوريا، دفعت إلى ترتيب لقاء قمة لتسويتها، فإن آخرين يرون أنها تعطي الانطباع بأن التدخل العسكري في سوريا حقق نتائج طيبة، بدليل أن الأسد الذي لم يغادر بلده منذ خمس سنوات، صار بمقدوره اليوم القيام برحلة خارجية، ويترك البلاد وهي في حالة حرب، دون أن يخشى انقلاباً ضده أو خيانة من
بطانته.
بديهي أن تعقب الزيارة تطورات مهمة، فاللقاء بين بوتين والأسد كان تتويجاً للتحرك الدبلوماسي لوزير الخارجية الروسي، والدبلوماسية الأميركية تتناعم مع هذا التحرك، والجانبان يستكشفان كل بطريقته فرص التفاهم، وتجسير الهوة بين القوى المتصارعة في سوريا، ودعا الرئيس الروسي ضيفه وحليفه للتحاور وإجراء اتصالات مع قوى المعارضة، واستجاب الأسد مبدياً استعداده لهذا الحوار، وقال إن المشاكل السياسية الداخلية هي جزء من أسباب الأزمة السورية، وليس المتشددين الإسلاميين فحسب، ولعل في هذا التصريح ما يؤشر إلى تحليلات تقول إن هناك خلافات بين موسكو ودمشق حول مستقبل الحل في سوريا، والمهم أن المفاجآت في الملف السوري متوقعة ومنها أن طهران أكدت أنها لا تعمل على إبقاء الأسد في السلطة للأبد كرئيس، لكنها تعي دوره في مكافحة الإرهاب وفي الوحدة الوطنية للبلد، وأنه في أية عملية سياسية سيكون دوره مهماً، وأن الشعب السوري سيتخذ القرار النهائي، واياً كان هذا القرار فإن إيران ستدعمه.
ليس مستبعداً أن موسكو تسعى لتأهيل الأسد للمشاركة في مشاورات التسوية والمرحلة الانتقالية، قبل الانتصار النهائي والناجز على الإرهاب، كما تطالب دمشق، فيما بوتين يستبق المشاورات الدولية الإقليمية بالضغط على دمشق، للامتناع عن عرقلة جهوده، الساعية إلى تزامن تحرك قطار التسوية مع تحركاته العسكرية، التي تم اختيار توقيتها بدقة لتحويل مسار الحرب السورية لمصلحة الروس، في إطار الصراع الدولي على النفوذ، والخروج النهائي من عالم أحادي القطب، وإذا كانت أبواق المعارضة فتشت عن هفوات بروتوكولية، للتأكيد بأن اللقاء كان أشبه بجلسة تحقيق واستنطاق للأسد أمام القيادة الروسية، وربما لإبلاغ الأسد بما سيتم العمل عليه خلال الفترة المقبلة، فإن المؤكد أن بوتين استثمرها للتأكيد بأن الملف السوري بات بيده، وان الحل والربط أصبح في موسكو، وعلى الجميع إن أرادوا المشاركة في التسوية أن يأتوا إليه ويتحدثوا معه.والسؤال اليوم – وبعد الزيارة التي وصفها البعض بالتاريخية، ورأى فيها آخرون استدعاء حليف ضعيف ليستمع لتوجيهات القيصر وأوامره – هو: إلى أي مدى يمكن أن تنجح موسكو في فرض شروطها للتسوية التي تطبخ الآن خفية، وعلى نار هادئة بينما تتراجع أميركا، وتتعنت السعودية وإيران متمسكتين بمواقفهما المتباينة، وتلعب تركيا على أكثر من حبل، وتنحاز مصر إلى الموقف الروسي، بينما يسعى الأردن للحفاظ على أمن حدوده الشمالية بأية وسيلة متاحة، وتتفرج إسرائيل على ما يدور مرتاحة لضمان موسكو وواشنطن لأمنها. الأيام وحدها تحمل الأجوبة التي جاء أولها من فيينا وفشل اجتماعها الرباعي.