عثمان النمر
في كثير من ثقافات الشعوب ترتبط اللحية والشارب بقيم الشرف والنخوة والشهامة والرجولة. ويعتبر الشارب عند مقاتلي «الراجبوت» الهنود علامة على الكرامة والشجاعة، والعناية التي يوليها بدو «راجستان» لشواربهم تعكس قيمتها المجتمعية.
فالشعرات التي تنمو بين الأنف وأعلى الشفة العليا ليست مجرد مسألة بيولوجية تختص بمادة الكيراتين، المادة نفسها التي تتكون منها الأظافر لدى البشر والقرون لدى الحيوانات، بل تحمل إشارات قيمية وتر
بوية وأخلاقية. فقد تميز أساطين الاستعمار البريطاني بشكل مميز للشوارب حمل اسم «الإمبريالي»، وتميز الحكماء والعقلاء في جنوب شرق آسيا بالشارب الشهير الذي يحمل اسم «فومانشو».
وقد اشتهر زعماء وسياسيون وفنانون في القرن العشرين بشوارب مميزة حتى باتت علامة مسجلة لهم. مثل شارب الزعيم النازي أدولف هتلر الذي يشبه فرشاة الأسنان، والزعيم السوفييتي القاسي القلب الجورجي الأصل جوزيف ستالين الذي ميزه شارب كث، والفنان السريالي سلفادور دالي صاحب الشارب الأنيق الجميل الذي يرتفع طرفاه المستدقان إلى أعلى.
رئيس فنزويلا نيكولا مادورو الذي يتميز بشارب من نوع «شيفرون» حسب تصنيف الاتحاد الأمريكي للشوارب واللحى، جعل شاربه على المحك، وأقسم بحلقه إذا فشلت حكومته في الوفاء بتعهدها بتوفير السكن للفقراء.
وفي ثلاث مناسبات متقاربة كرر مادورو وعده بحلق شاربه إذا فشلت حكومة الحزب الاشتراكي في تسليم مليون وحدة سكنية إلى الفقراء في العاصمة كراكاس بنهاية العام الحالي 2015. ففي برنامجه التلفزيوني الجماهيري الأسبوعي «اتصل بمادورو»، قال الرئيس الذي ورث الحكم من سلفه البوليفاري الراحل هوغو شافيز: «أقول لكم يا إخوتي وأخواتي من عمال البناء والمهندسين اعملوا بجد حتى لا أضطر إلى حلق شاربي. هذه ليست مزحة. اعملوا بجد وبشدة حتى يجد كل فرد من الشعب منزلاً، وحتى يبقى شاربي في وجهي».
وفي مناسبة تسليم 2520 وحدة سكنية لمستحقيها من العائلات الفقيرة في كراكاس قال مادورو: «إذا لم نصل في 31 ديسمبر/كانون الأول إلى الرقم المستهدف مليون وحدة سكنية، فسأحلق شاربي كشكل من العقاب الذاتي، وعلى ذلك سيعرف الجميع أننا لم نحقق الهدف المنشود». وفي مناسبة ثالثة قال مادورو مخاطباً وزير الإسكان: «شاربي يعتمد عليك يا وزير، وما هو أكثر من شاربي فإن مشروع الإسكان يعتمد علينا جميعاً ويجب ألا نفشل».
المشروع الإسكاني الذي يحمل اسم شافيز بدأ في العام 2011، ويستهدف تشييد 3 ملايين وحدة سكنية توزع على الفقراء الذين يعيشون في مساكن عشوائية بائسة في التلال المحيطة بالعاصمة. وحتى الآن أكملت الحكومة تشييد 800 ألف وحدة سكنية. والفترة القصيرة المقبلة حتى نهاية العام تبدو غير كافية لإكمال تشييد 200 ألف وحدة جديدة للوفاء بالرقم المستهدف.
سيسيليا فلوريس زوجة مادورو قالت إنها تدعم قرار بعلها، وإذا لم يكن من بد لحلق شاربه فلن تمانع.
ارث شافيز الذي أكسبه محبة مواطنيه حياً وميتاً يقوم على مشروعه الضخم الذي حمل اسم «المهمات الاجتماعية» وتعهدت فيه الحكومة بتسخير عوائد النفط والغاز من أجل تحقيق مشروعات اجتماعية ضخمة تعليمية وخدمية وتمويلية يستفيد منها الشعب كافة ليخرج من وهدة الفقر وليعوض سنوات الحرمان والعوز.
لكن مع انخفاض عوائد النفط، والتضخم الذي بلغت نسبته 200% فإن مادورو الذي سيواجه حزبه في السادس من ديسمبر المقبل انتخابات برلمانية تمثل اختباراً جدياً لشعبيته وحزبه، لا يزال مصراً على المضي قدماً على نهج معلمه البوليفاري الراحل والوفاء باستمرار العون الاجتماعي الحكومي للشعب، ولن يستنكف حلق شاربه المميز إذا لم يستطع الوفاء بالوعد.