محمد شنيشل فرع الربيعي
لقد تناول الانسان القضية النصية بطرق متباينة وحقق فيها ما يراه من استكناه اكثر الجوانب الحاحا على المظهر الخارجي والداخلي للوجود وفرض سيطرته الفكرية وأقحم الكثير من النظريات في مجالات شتى وحسم أمره أن سبيل الوجود نظام متغير غير خاضع لقانون أو مرتبط بمستكشف مستقر .
والاصوليون أكثر تخصصا وأسبق زمنا من الفلاسفة الذين خلطوا النص ببعده الميتافيزيقي ، وهم من أؤلئك الذين تناولوا النص باستقلاليته عن الملازمات الباقية ، وحصروه في منظومة ادواتهم فقط دون العبور الى الدلالات الاخرى والخوض فيها ، بل العكس صحيحا ، فالكثير من المدارس النقدية الحديثة قد أستفادت من الاصوليين في تطوير تلك المناهج ، أما الاصوليون فالتزموا القدسية المطلقة وهذا يعود لطبيعة الالتزام الاخلاقي والخوض في تخصصيته ، وجعلوا له توجها لا يضارع الاخرين وذلك بحكم النظرة العليا التي يرونها في النص .ِ
وفي القواعد الاصولية تنبري علامة مهمة الا وهي الاستقراء المنطقي للنص والذي يبدأ من الجزء وصولا الى الكل ، بمعنى أننا أذا أردنا أن نستقرء أي جزء من العربية في اقسام كلامها نحو حرف الجر فنقول وجوده دلالة على الاسم الذي بعده مجرور بالكسرة ، فهو يدخل على الاسم فقط ، وهو أداة أو حرف جر، ويكون مبهما لوحده الا إذا أُدخل في جملة مفيدة ، ليُبان عمله ، فنقرر أن حرف الجر ليس له من عمل غير انه يجر الاسم الذي بعده ، وهكذا نستقرء تصاعديا بقية الاقسام و”الأصولية لغةً من الأصل ، وهو قاع الشيء وما يبنى عليه غيره، سواء أكان حسياً كالأساس الذي يشيّد عليه البناء فهو أصله، أم عقلياً كبناء الأحكام الجزئية على القواعد الكلّيّة.” ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
وبما أن الزمخشري المتوفى 538 هـ من البلاغيين والمفسرين للنص القرآني فقد قال في أساس البلاغة في مادة ن ص ص :” الماشطة تنُصُ العروس فتقعدها على المِنَصَّةِ، وهي تنص عليها أي ترفعها . وانتص السنام : ارتفع وانتصب.. ومن المجاز: نصصتُ الرجل إذا أحفيته في المسألة ورفعته إلى ما عنده من العلم حتى استخرجته. وبلغ الشيءُ نصه أي منتهاه ” . أساس البلاغة ، الزمخشري مادة نصص ص755
لكن الاصوليين لم يتجاوزا المعنى اللغوي أبتدأ في سياقات اللغة المعيارية والمألوفة في تعريف النص وهي الاكثر تداولية بين متكلمي العربية
واللغة تنطوي على صيغة اللفظ المكون له (النص) أي بدلالته اللفظية وهذا منطق في وصفية اللغة ، ولم يعتمد إنتاجاً للمعنى الظاهر ، إذ لا مجهودا لها في خلق منظومات فكرية من الإنتاج والتوليد في تلك المرحلة ، والمتأمل أن المعنى اللغوي فيه اشارات للاستنباط الاصطلاحي فإنك لا تتجاوز اللغة الى الاصطلاح في الترتيب البحثي .
وفي تعريف آخر يؤكد التقاربية التعريفة على أصلية النص وعزله عن المبنى الخطابي فكان ” صيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف ” ( إبراهيم مصطفى وآخرون : المعجم الوسيط ، دار الدعوة ، استنبول ، 1980م (نص ) ، ص 926)
لكن الامام الشافعي المتوفى 204هـ قد تعرض اصوليا الى مفهموم النص وكان تواصله معه عن طريق ما طرحه في نظرية البيان بقوله ” ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه ، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره ” (محمد بن أدريس الشافعي : الرسالة ، تحقيق أحمد محمد شاكر بدون بيانات ، ص 32)
فلو تأملت هذا التعريف ودلالته القياسية ، ستصاب بدهشة كبيرة وأنت تستحضر إنثيالات من الاستفهامات عظيم ، منها استقلالية النص عن السياق ، الامر الذي التبس أول الامر على الكثير من الباحثين والنقاد … ومنهم رولان بارت الذي لم يتضح له إبتدأ الفرق بينهما ، والشافعي يقول محتجا بالنص لا بالسياق كقوله : فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره ، اذن لا حاجة بقياس النص على السياق لانها مخالفة قد توهم القاريء انه النص عينه، ثم ولماذا نحتج بغيره ؟ والاحتجاج وارد ويكون عن طريق نصا آخر سواء من نفس الجنس أو من جنس آخر موائم له أو قريب منه رتبة بسلوك الميتا نص
كان للعالم المالكي المازري المتوفى 536 هـ رأي آخر مخالف لرأي الامام الشافعي والذي جعله (النص) لفظا قد كشفت دلالته ، وهذه مخالفة صريحة للشافعي وقول المازري بلا قياس وقال باللفظ ” اللفظ الكاشف لمعناه الذي يفهم المراد به من غير احتمال، بل من نفس اللفظ”
ايضاح المحصول للمازري ص305
لذا تحتم أن يكون النص قصدي ” لا يحتمل إلا مـعنى واحداً ” (أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي : كتاب المعونة في الجدل ، تحقيق عبدالمجيد تركي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الأولى ،1408هـ / 1988م ، ص 128.)،
ولا يمكن أن يُتصور خارج ذلك المفهوم في سلوكه لانه “مـا رُفع في بيانه إلى أبعـد غـايته ” (أبو الوليد الباجي : كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج ، تحقيق عبدالمجيد تركي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الثالثة ،2001م ، ص 12.)
هذا والمتابع لتراث العرب يجد أن اللفظ المناسب والأقرب اصطلاحا إلى (النص) هو مصطلح ( المتن ) ،والمقابل لمصطلح الإسناد عند المهتمين من علماء الحديث (انظر : هانز فير : معجم اللغة العربية المعاصرة ، وضع ج . ملتون كوان ، مكتبة لبنان ، بيروت ، ومكدونالد وايفانس ليمتد ، لندن ، الطبعة الثالثة 1980م ، (مت) ، ص 890 . )
قد يتعدى ما ذكرناه الى مباني أخرى عند الاصوليين فمنهم من يرد ” عبارة النص وإشارة النص ، والاخيرة هي كل كلام مفهوم معناه واضح استكناه سواء أكان من الكتاب أو السنة، ظاهراً أو نصاً أو مفسراً “( السيد أحمد عبد الغفار : التصور اللغوي عند الأصوليين ، شركة مكتبات عكاظ ، جدة ، الطبعة الأولى1401هـ/1981م ، ص 146.)
والاصولي في فهمه لإشارة النص يجد المعنى الذي لا يُفهم من ألفاظه ولا يُقصد منه كلية النص، ولكنه معنى ملازم للنص في خصوصية دلالته وصدقه ، ظاهرا كان أم باطنا .
فهل من الممكن تواجد الكلية النصية من اجل اشارة ملازمة لموضوع ، أو تنبيه لدلالة واحدة فقط ؟
المتأمل في تلك المفاهيم يجد أن الدلالة مضمارها واحد من حيث التقاربية في بحثها الاصولي ، ومن الطبيعي أن تكون تلك الدلالة مرتبطة بالنص من حيث كونه ملفوظا أو مكتوباً . ويمكن للنص ان يتواجد من أجل حادثة ويشير بين طياته لموقف أو مطلب من يقصد به النص، حتى ليتصور القاريء ان تلك الاشارة ليست من جنس دلالة النص الكلية ، فتتحول الاشارة وهي الجزء الى تخصصية في العموم ، وهذا ما أنتبه اليه الاصوليون حينما اشاروا الى مفهوم (اشارة النص).
والأشارة ،عن ابن السكيت ، وفي الحديث : كان يشير في الصلاة أي يوميء باليد والرأس أي يأمر وينهى بالإشارة ; ومنه قوله للذي كان يشير بأصبعه في الدعاء : أحد أحد ; ومنه الحديث : كان إذا أشار بكفه أشار بها كلها ; أراد أن إشاراته كلها مختلفة، وأشار عليه بأمر كذا : أمره به . راجع لسان العرب لابن منظور . دار صادر 2003