علي حسن الفواز 
يرتبط نجاح أي دولة بمدى قدرتها على مواجهة تحديات بناء منظوماتها السياسية والاقتصادية والحقوقية، وعلى وفق معايير علمية وقانونية تكفل تطورها وحماية ثرواتها، وضمن أطر مؤسساتية حقيقية، وفاعلة في حيازتها لشروط الديمومة والتنمية.
ظاهرة الفساد تمثل أكثر علامات الانحراف والتجاوز خطورةً على القانون وعلى النظام العام، وأن تعدد مظاهرها ينطوي على مضار ومكاره أخلاقية وقيمية وسلوكية وادارية، تنعكس على تشويه صورة الدولة، وعلى تعويق أي جهد حقيقي لتنظيم آليات وسياقات العمل في أي حلقة من حلقات الدولة، ولعل الأخطر ما في مظاهر الفساد تَلَبُّسه بلبوس قانونية وسياسية وحزبية، وتحت يافطات وعناوين عمومية، وهو ماتعاني من تداعياته الدولة العراقية الجديدة منذ تَشكّلها العام 2003، إذ تحولت ظاهرة الفساد الاداري والمالي والتجاري والسياسي الى مايشبه(الوباء) الذي يتطلب مواجهة وطنية وشرعية، فمئات المليارات من الدولارات التي تم تخصيصها وإنفاقها خلال السنوات الماضية لم تجد مايقابل مدخلاتها من مخرجات حقيقية على مستوى التنمية الوطنية، والرفاهية والعمران، وعلى مستوى بنية الواقع الاجتماعي والخدماتي والاقتصادي، بقدر انعكاس مظاهرها على تعويم سياسات الانفاق وهدر المال العام والتجاوز عليه وتكريس مظاهر الربح الفاحش للبعض، وتعريض الاقتصاد الوطني الى مخاطر الفشل والعجز، وبالتالي تعطيل ارادة  الجهات المعنية على وضع الموازنات المالية التي تحتاجها الدولة والمجتمع.
الفشل في ادارة الموارد الاقتصادية يعكس في جوهره فشلا في ادارة السياسات، وفي وجود البيئة القانونية الحامية والرادعة، مثلما تعكس فشلا مهنيا في صياغة النظام الاداري والمالي القادر على ضبط حركة المال العام، وقطع الطريق على المفسدين، وهو مايعني الحاجة الى مواجهة جريئة، والى تفعيل كل القوانين والأوامر الكافلة للرقابة المالية والادارية بدءا من  أمر سلطة الائتلاف رقم 55لعام 2004 الذي نظم عمل هيئة النزاهة في العراق والأمر رقم 57 لعام 2004 الذي نظم عمل المفتشين العموميين بالتنسيق مع هيئة النزاهة والمؤسسات ذات العلاقة  والأمر رقم 77 لعام 2004 الذي نظم عمل ديوان الرقابة المالية، وانتهاء .بتفعيل المادة 102 من الدستور، التي تؤكد  دعم هيئة النزاهة وتعزيز مسؤولياتها الوطنية القانونية والثقافية في مواجهة الفساد والمفسدين، وليكون  دعم النزاهة ومكافحة الفساد عاملا مهما لتقوية سلطة الدولة وحمايتها من جرائم الفساد الاداري والمالي. 
من أين لك هذا؟
ليس هذا سؤالا في المكاشفة المالية حسب، بل ينبغي أن يكون عملا اجرائيا لثقافة المحاسبة، ولتطبيق القانون على الذين يتم ضبطهم في جرم الفساد بكل أنواعه: الاختلاس، التزوير، هدر المال العام، واستغلال صلاحيات المنصب الوظيفي، الرشى، تبييض الأموال، فساد الذمة المالية، وهو مايستدعي الزام المتهمين بالحضور والتعويض واسترداد ما في ذممهم..لأن مايحدث في الواقع العراقي للأسف يفتقر للجدية، وللمسؤولية الوطنية والقانونية، فالكثير من المفسدين الذين تضخمت ثرواتهم وحساباتهم المصرفية لهم أغطية سياسية، أو أن فسادهم هو جزء من فساد الظاهرة السياسية ذاتها، التي تتيح لضعاف النفوس استغلال الظروف الأمنية والاقتصادية، والهشاشة الادارية للتمادي في التحايل على سياقات العمل في الوزارات والمؤسسات، والحصول على أموال بطرق غير شرعية، مقابل إحداث أضرار فادحة في البرامج والخدمات وفي تنفيذ المشاريع الستراتيجية.
تطبيق سياسة(من أين لك هذا؟) من قبل الجهات الرقابية لايعني تجاوزا على أحد، بقدر ماهو شروع مهني لقوننة النظام الاقتصادي في العراق، وفي العمل على إيجاد بيئة آمنة، تتكامل فيها قيم العيش، والمساواة والحريات والحقوق، وهو مايتطلب تفعيلاً حقيقياً لعمل الجهات الرقابية المالية وهيئة النزاهة والمفتشين العامين، وتعزيز شجاعة الكشف، ونزع الاغطية السياسية عن البعض، والذين تحولوا الى مايشبه(القطط السمان) في مصر خلال حكم السادات في السبعينيات من القرن الماضي، كما أنها شروع واع لتنشيط العمل المؤسساتي، ولإشاعة ثقافة النزاهة والشفافية والاستقامة والذمة المالية، وطبعا هذا لايمكن تطبيقه بسهولة، إن لم تسانده مجموعة من الاجراءات القانونية والرقابية الرادعة، والذي يعني تطبيقا مهنيا وواسعا لنظام( الحوكمة) كإطار حقيقي للإدارة الرشيدة، وفي كل حلقات الدولة، وتوظيف التكنولوجيا في ادارة المنظومة الاقتصادية واستخداماتها بدءاً من اعلى السياقات التنظيمية للمعاملات والمخاطبات وحركة الأموال، وصولا الى فرض استخدام البطاقة الذكية على العاملين في مؤسسات الدولة والقطاعات الاخرى، لمنع التلاعب والسرقة، والتقليل من هدر الوقت، وتيسير الطرق الآمنة لتوزيع الاستحقاقات على اصحابها.   
المؤسسات وشرعنة القانون.من أخطر مظاهر الفشل في رصد المفسدين والسيطرة على ادواتهم، يكمن في تهميش السياقات القانونية والتنظيمية، لاسيما في الحلقات الأكبر مثل البنك المركزي العراقي، والمصارف الكبرى، وحتى ضبط عمل المصارف الحكومية والاهلية، لأن تهريب العملة وتبييض الأموال، واستغلال نظام بيع البنك المركزي للعملات الصعبة تحول الى مجال خطير للفساد المالي.

التعليقات معطلة