محمد شنيشل فرع الربيعي 
حَالِكٌ صباحُ النهرِ ، خزانةُ المَنفى صُورُ ، أنتَ في بطنِكَ تَجترُ إنبعاجَ الإرتواءْ , الماءُ سائغٌ شرابُهُ ليلاً، الماءُ تَتقاسمهُ بطونُ حياتٍ في نهارِ حدودِ إمتثالِ العطشِ على خرائِبِ بابلْ .
                  كُنا نُنَادي العطشَ العطشَ .
 إحتجَ بائعُ الماءِ على خَضخضةِ سنامِ صاحبهِ الميتِ جوارَ خيبةِ نصفِ النصفِ من سُكَرَةٍ مُمَلحةٍ بالسوادِ، لا بابَ لمشهدِ الأحياء ِ بعدَما خَسِرَ قارونَ في (الروليتِ) آخرَ جيبٍ في عقلهِ ، تحولَ قبضةً من هواءٍ وكشكولَ حكايةْ . 
النهرُ في عهدةِ الجزرِ والمدِ  ، قالَ لي أحدُ الماشينَ : لا تكلمهُ ، إرمِ عليهِ لعائِنَ عادٍ وثمودْ, أكتبْ ، النهرُ خائنٌ  ، الكُتُبُ كوفيةْ !
 مررتُ قريباً منهُ ،وجدتُهُ ينشُجُ ، أحقاً أنتَ قاتلْ ! ؟ تعجبَ من سُؤالي , أشاحَ بوجهِ الموجَ ، دارَ الافقُ، واستدارَ يلتقطُ بنظراتهِ الأجسادْ.
بيتُ الله يذبحُ خِرافَهُ ، الأمواتُ حصةُ الملائكةِ والأحياءُ حصةُ الشيطانْ ، مَنْ قالَ أشهد أنَ لا الهَ إلا العقلَ لا يَرى خرائطَ الموتَى معلقةً في  قفاهْ ،  لم يرَ الجاذبيةَ أصلاً تُذِبحُ على حَجرٍ ، ويداهُ لمْ تَترِبا .
أتيتُ النهرَ من كل جهاتِهِ , اطلتُ النظرَ, فراسخَ من قوائمِ جيادٍ كانت ضميراً للرِكابْ ، تفحصتُ أماكنَ الصَرعى , حاورتُهُ عن (قربة ماء) خرقتْها سهامٌ الأعرابْ، أجابَني : فتشْ في المكانْ ، من ضِفَتيَ مَلأتُ لهُ فُراتينِ واودَعتُهُ سَلاماً , لكنَهُ لم يصلْ ، احتفظتُ برايتهِ ، وسمْتُ المكانَ مُهْراً لطولهِ، فتحتُ الضِفتينِ ملاذاً ، أجريتُ مُويجاتي تحتَ قدميهِ ، أتعرفُ قربَتَهُ يزاورُها ذاتَ اليمينُ شمساً وذاتَ الشمالِ قمرا، لمَ لمْ تسلْ عن كفيهِ ، ونخلةِ إبنِ الطُفيلْ ؟ 
لا شيءَ ساقطٌ في القرارِ إلا أنا والقرارَ ، وحصالةً بنصفِ شاربِ مراهقٍ ، ونصفِ عباءةٍ جنوبيةٍ تتعطرُ بـ (عكة) سمنٍ ، وسوادٍ سُومري،وهبتهُ بلادُ الموتِ لمآتِمنا .
 بعتُ لهُ ظلينِ ، واحدٌ لي والآخرُ ظِلُ مَطيتي البلهاءَ في سوقِ  عُكاضٍ ، نقرأُ الشعرَ أراجيزاً ، فتصفقُ بظلِها المهتوكِ من أجلِ باقةِ برسيمٍ ناضجةٍ كهذا الفِكرْ .
 إنْ أنكرَ الاصواتِ صوتُ يعودُ لتبادلِ الأدوارْ …
لَمْ أرَ دليلَ ادانةٍ ، وإنما وجدتُ قيوداُ على ضفتيهِ , ومعصمينِ مكَبلينِ ، فأيقنتُ أنَ النهرَ المتهمَ ، كان سجيناً عندَ والي الكوفةْ , وعلى صدرهِ رقعةٌ كُتبَ عليها :
( يحاصرُ النهرُ ، والقاروةُ , وتُرسمُ ضحكةَ هِندٍ عَلى الضفتينْ ! 
حُوصِر النهرُ بالجنودِ ، توزعتْ المهامُ على  السيفِ ، الرمح ، الجواد ، القيودْ . كانَ باستطاعتهِ أن يعملَ شيئاً قبلَ قيدهِ ,  يتحولُ الى ملحٍ أُجاجْ ,  يقذفُ بحمولتهِ مَداً صوبَ الجيشِ ، يحدثُ فيهم رعباً , يصرخُ متى آثرْتَ سرابَ مُلكِ الري على دمي ؟ الفراتُ  يزأرُ ، لأنَ أزقةِ الكوفةِ لم تُكسَ بماءِ الوجوهِ إلا فضائحاً  تشوي أرصفةَ الماءْ, والعباسُ يُفكرُ على خطرينِ أيسقي العطاشى  بفكِ حصارِ النهرِ، أمْ الرقعةَ النكراءَ بيعةُ أدلجةِ الأشياءِ في اللاشيءْ
استأذنَ سيدَهُ ، والنهرُ بالإنتظارْ .

التعليقات معطلة