صلاح زنكنه
ثلاثة رجال وامرأة واحدة , تجمعهم طاولة تناثرت عليها اقداح الشاي وفناجين القهوة ومنافض السجائر في كافتريا شبه خالية الا من رجل آخر في الركن المقابل ونادل ضجر وصوت أم كلثوم يتهادى عبر جهاز التسجيل ( أنا بأنتظارك خليت ) الرجال الثلاثة يتحدثون بالتناوب وبصوت عال وكأنهم يتبارون في مهرجان للخطابة والمرأة تصغي , وما ان يسكت أحدهم حتى يمسك الآخر بزمام الكلام لتصغي المرأة اليه الى ما لا نهاية , الرجلان الآخران لا يصغيان أبدا وأنما يتأملان المرأة المصغية .
الرجل الجالس في الركن المقابل والذي تبدو عليه امارات القلق والحيرة لا يحفل كثيرا بالضجيج الذي اثاره هؤلاء بالرغم من انه يرمقهم بين فينة وأخرى بنظرة استياء أثناء تصفحه الكتاب الذي يقرأه بتمعن وهو ينظر الى ساعته اليدوية وكأنه بأنتظار شخص ما أو بأنتظار امرأة وعدته بالمجيء .
الرجال الثلاثة يتحدثون بشغف عن أشياء شتى , يتكلمون بحماسة يقاطعون بعضهم البعض بعصبية , يقهقهون تارة ويثرثرون تارات , يحتسون الشاي والقهوة والنسكافي ويدخنون الأركيلة وينفثون الدخان في الهواء , والمرأة وحدها تصغي بلا كلل وتضرب كتل الدخان بكفها لتبددهها وتزيحها عن وجهها , والأحاديث تتشعب وتتفاقم وتتناسل على أفواه الرجال المولعين بسبك الكلام لتخترق رأسها وتدغدغ أنوثتها .
فجأة تنهض المرأة من كرسيها وحقيبتها تتدلى من على كتفها ,
يفسحون لها المجال لتمر متمايلة بغنج ذاهبة الى التواليت , بعد لحظات تعود وهي أكثر تمايلا وغنجا , الرجال الثلاثة يتأهبون لاستقبالها , بيد انها لا تأبه بهم ولا تعيرهم أدنى اهتمام , لتذهب مباشرة نحو طاولة الرجل الوحيد الجالس في الركن المقابل والذي ما برح ينظر الى ساعته بنفاد صبر , تستأذنه وتجلس بجواره , حيث راح يطبق كتابه دون اكتراث للقرأة وهو الآن يبدو منشرحا يؤمىء برأسه مصغيا لحديث المرأة بأهتمام .
الرجال الثلاثة صامتون باهتون ,
وبين حين وآخر يمدون أعناقهم ويرنون صوب المرأة وهي مشغولة عنهم منهمكة في حديث حميم , وبات الرجل بالغ الأنشغال بحديثها المسهب دون ان ينبس بكلمة تاركا كتابه جانبا , حتى انه لم يلحظ المرأة المتأنقة التي دخلت الكافتريا للتو ورمقتهما بنظرة غضب واستخفاف لائكة كلماتها باستهجان ( خائن غشاش ) , صافقة الباب خلفها تاركة الكافتربا ومن فيها وهي تكفكف دموعها ,
والمرأة ما زالت تتحدث وتكركر وهو يصغي لها منتشيا .والرجال الثلاثة يلفهم الصمت والخواء , وصوت أم كلثوم يتماوج
( يا ريت يا ريت يا ريتني عمري ما حبيت ) والنادل ما زال ضجرا في هذا المشهد