تريبيون نيوز سيرفس
عمد صندوق النقد إلى تقدير مشاركة اليوان في السلّة المالية العالمية بنسبة 10.9 بالمئة، ليتفوق بذلك على الين الياباني الذي تبلغ نسبة مشاركته فيها 8.3 بالمئة، يليه الجنيه الإسترليني بنسبة 8 بالمئة.
ينظر المحللون والخبراء الماليون إلى القرار الذي اتخذه صندوق النقد الدولي مؤخراً بإدراج العملة الصينية ضمن «سلّة حقوق السحب الخاصة» ابتداء من شهر أكتوبر 2016، على أنه يمثل خطوة مهمة إلى الأمام في تحقيق طموحات بكين لعولمة اقتصادها. وهذا التغير الكبير الذي طرأ على (السلّة) هو الأول من نوعه منذ عام 1999، ويمكن أن يؤدي إلى احتلال «اليوان» لمكان اليورو كعملة بديلة رئيسة لتغطية السحوبات الخاصة بالدولار الأميركي. ومن المتوقع أن يتم تحويل ما يقارب 1 تريليون دولار من المخزون المالي العالمي إلى أصول ماليّة مودعة بعملة اليوان.
ومن أجل توضيح أبعاد هذا القرار وما قد يترتب عليه من نتائج في حركية البورصات والأسواق المالية، أجرت مؤسسة «باسيفيك موني» المتخصصة بالدراسات المالية، حواراً مع «روجير بريدجيز» الخبير الاستراتيجي العالمي في قضايا أسعار الفوائد والعملات في مؤسسة «نايكو أسيت مانجمنت أستراليا»، نعرض له فيما يلي. كيف تقيّم أهمية هذا القرار الصادر عن صندوق النقد الدولي بالنسبة للصين والعالم؟
إنه اعتراف صريح من صندوق النقد الدولي بأهمية الصين وعملتها «اليوان» في النظام المالي العالمي. ومن إحدى أهم القضايا التي تستثير شكوك الصينيين، هي أن كلاً من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والكثير من البنى التحتية المالية الملحقة بهما، هي أدوات ابتدعتها الولايات المتحدة والدول الغربية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا من أهم الأسباب التي دفعت بهم لتأسيس «البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية» AIIB. وهكذا أمّنوا لأنفسهم قدرة السيطرة على هذه المؤسسة المالية بأكثر من قدرتهم على التحكم بسياسات المؤسسات المالية العالمية الأخرى. وبالرغم من سعي صندوق النقد الدولي لمنح الصينيين المزيد من القدرة على المشاركة في عملية صنع القرار المالي العالمي، إلا أن الكونجرس الأميركي رفض التصديق على هذا الاقتراح. ولم يبقَ أمام صندوق النقد الدولي إلا الاعتراف المباشر باليوان كعملة عالمية ومنحه تقييماً سوقياً يتفوق فيه على كل من الجنيه الإسترليني والين الياباني وذلك بحسب معدل مجمل الصادرات.
وأعتقد أن القرار بحد ذاته ينطوي على إشارة مهمة وواضحة للصين بأن من مصلحتها أن تبقى جزءاً من البنية التحتية التي تحملت مسؤولية إدارة العلاقات المالية العالمية خلال السنوات الخمسين الماضية. وعمد صندوق النقد إلى تقدير مشاركة اليوان في السلّة المالية العالمية بنسبة 10.9 بالمئة، ليتفوق بذلك على الين الياباني الذي تبلغ نسبة مشاركته فيها 8.3 بالمئة، يليه الجنيه الإسترليني بنسبة 8 بالمئة. فهل هذا يعني تراجع ترتيب الين والجنيه الإسترليني وفقاً لمقياس التداول على المستوى العالمي؟ سيتعرض «اليورو» لأكبر تراجع في حجم التداول العالمي بسبب هذا القرار. ويمكن القول بمعنى أشمل أن عملات الين الياباني والجنيه الإسترليني واليورو ستتراجع أمام اليوان. وفي هذا الوقت بالذات، سوف يحتفظ الدولار الأميركي بموقعه السيادي نظراً لعدم وجود أي فكرة لإعادة تقييمه.
وهل سيدفع هذا التعزيز في موقع اليوان البنوك المركزية إلى الاحتفاظ بنسبة معينة من مخزونها المالي بعملة اليوان، وهل ننتظر من البنوك والصناديق الاستثمارية إقبالاً واسعاً على شراء اليوان؟ لا أعتقد أن هذا سيحدث في هذه المرحلة، ويعود ذلك للافتقار إلى علاقة ترابط واضحة بين «سلّة حقوق السحب الخاصة» وحجم الكتل المالية التي يحتفظ بها الناس في أثناء تعاملاتهم المالية على المستوى العالمي. إلا أن هذا التطور الجديد يفتح أمام التجار فرصة للاستثمار بعملة اليوان، كما أنه أصبح جزءاً من النظام المالي العالمي بأكثر مما هو عملة تبادل في التجارة.
من المعروف أن السلطات الصينية لا تستخدم اليوان في التجارة إلا على نطاق ضيق. فهل ستتحرك الصين الآن باتجاه التعويم الحرّ لعملتها مثلما حدث للدولار الأسترالي وبعض العملات الأخرى؟ أعتقد أن هذا هو ما سوف يحدث، ولكننا نجهل درجة السرعة التي سيتم بها. ولا بد أن نضع في اعتبارنا أن الصين تمثل سوقاً اقتصادياً اشتراكياً محكوماً بالمراقبة السياسية والعقائدية، ولهذا السبب يمكن القول أن الصينيين لا يحبذون فكرة إحداث التغيرات المفاجئة والحاسمة. ولا شك أنهم سيشعرون بالتوتر الشديد وهم يتابعون حركية الأسواق من دون القدرة الكافية على التحكم بها. وسيكون هناك الكثيرون ممن سيحاولون إجهاض هذه العملية كلها، ولقد لاحظنا كيف حاول المسؤولون الصينيون التحكم بتوجهات بورصاتهم. ولهذه الأسباب، يمكن القول إن عملية التعويم الحقيقية لليوان في الأسواق العالمية ستكون بطيئة للغاية بخلاف ما حدث عند تعويم الدولار الأسترالي.