محمد هديب
رأيت في منام الليلة الفائتة أنني أعزي جيرانا لي بعد شهر من انتهاء العزاء، وكانت صورهم واضحة، مع أنني في الحقيقة، أي في الصحو لا أتذكرهم جيدا.
ثم إن امرأة كانت واضحة بملابس يومية بلا حجاب صاحت فزعة، لأنني رأيتُ شعرها وبعض جسدها دون قصد، رجعَت المرأة بعد قليل بملابس رسمية. عزّيتها وأخبرتني أن شقيقها الأكبر سيعود إلى الأردن ليستقر أخيرا بعد عشرين عاما في الخليج.
يخطر لي الساعة وأقول بتردد إنني لا أتذكر الناس جيدا. حتى أبي لا أتذكره كما ينبغي إلا حين أكتب عنه.
هناك من يختبئ في الحلم وفي الكتابة.
لكن أصدقائي لا أكتب عنهم جيدا.
لا أغبط ولا أتذمر ممن يحفظ أصدقاءه عن ظهر قلب، فقط أحاول أن أتوصل لشيء ما.
لا أغبط ولا أقدح بمن يتذكر امرأة عرفها أو أكثر.
ولا أريد الترديد وراء الكورال: كن عابرا فهم وهنّ عابرون (عبارة مثل هذه ينبغي أن يتبعها دائما: شكرا لمرورك).
كان يمكن أن أقول إنني متعلق بالطريق لا بمن مشى عليها (هذا نفَس درويشي ليس وقته) أو أن الطريق لا تسمى طريقا إلا إذا كانت بلا نهاية.
تعجبني العبارة الأخيرة، ولكن أين الأصدقاء والنساء الذين صادفتهم في الطريق اللانهائي؟
أعرف شيئا هو أنني دائم التهكم على نفسي، هذا يفسد صورتي. وحين يفيض بي كيلي على ميلي أتهكم على ما يقدسه الآخرون. لذلك تفسد صورة الصديق وصورة المرأة،، والطريق الذي كان بلا نهاية ينتهي إلى النوم مثل علامة استفهام على الكنبة.
مشهور أنا في المنطقة بأنني آخر شخص يمكن أن تسأله عن شخص أو أن تدل شخصا تائها. الشخص لا أقدمه كما هو في الحقيقة وإنما صورته ولذلك مصداقيتي مجروحة. وهذا لا يضيرني، فما زلت مقتنعا أن الفوتوشوب أصدق إنباءً من الصورة الأصلية.
ولا أصلح لأن أدل أحدا على مكان، وأكبر دليل على ذلك أن أطفالي يفضلون التاكسي على أن أوصلهم بسيارتي.
لا أعرف إن كنت سعيدا بهذه النتائج أو بائسا. السعادة والبؤس يفاجئانني كما الكتابة والحلم.
المرأة الجميلة كانت كذلك لأنك حين عطست ناولتك محرمة غير مستعملة. والصديق مرتبط بالضيق. يعني ينبغي أن تتزحلق أولا على ظهرك فيقيلك شخص من عثرتك. هذا الشخص اسمه صديق. ولكن الأغنية الشعبية تقول “زحلق حبيبي عالدَرَج ووقعت انا”، وهذا ليس صداقة وإنما الحب.
الحب أن تزحلق أنت فيقع شخص آخر رآك بقلبه (تقول العرب زحلق وزحلك).
مع هذا، كل شيء يغيب ويحضر بحسب دفعه الجمالي والأخلاقي وبحسب نقدك الذاتي ونبلك الذي تختبره هذا اليوم.
الصديق الذي أقالني من عثرة كلما غاب قليلا حضرت العثرة ونخزتني. هذا معيب ولكنه إجراء تقني تحفه معلقة اعتذارية. وفكرت أن أبدأ بتذكر الصديق والانتهاء إلى العثرة، ثم عدت بالعكس حتى أنتهي إلى الصديق. يحدث أحيانا أن يحضر الصديق والعثرة في برواز واحد. غير لائق ولكن يحدث.
أما المرأة الجميلة فعليها أن تبقى بعيدة. إن الجمال الماثل خصم الكتابة الأول.
أنا كلب وفيّ للذاكرة، ثم قد يحدث أن أعضك لألم مبرح أمسك بي من الكُليتين، فينتهي الأبد ظهيرة الثلاثاء، ويكون دواؤك ما قالت العرب إنه الدواء الوحيد من عضتي: أن تسقى قطرة دم من إصبع أحد الملوك.
أحاول بما أوتيت أن أفسد الوفاء المطلق للذاكرة لأنني أخشى من قوتك ومن ضعفك. أحاول أن أخفف من التديّن العمومي وأن أصلّي وحيدا صلاة عمّال