عبد الرحمن عناد
قلت لصديقي الفنان التشكيلي عي النجار ، ونحن نقف أمام مكتبته : اختر لي انت هذه المرة ، مد يده مباشرة وسحب كتابين ، قائلا : هذه رواية بجزئين ، للكاتب المغربي محمد شكري ، وقد جلبتها من المغرب . والحق أقول ، أني لم اقرأ له من قبل ، ولمت نفسي على ذلك ، رغم عقود من قراءة الكثير من الرواية العالمية والعربية ، وربما حالت غربتي لسنوات دون ذلك ، بسبب صعوبة الحصول على الجديد ، وما ترغب فيه .
انشغلت بها لأيام ، كان الجزء الأول ( الخبز الحافي ) الطبعة الثامنة. . والجزء الثاني ( الشطار ) الطبعة الخامسة ، وكلاهما من اصدار دار الساقي بيروت ٢٠٠٤ .وتوشر إعادة الطبعات ، رواجها كثرة الطلبات عليها .
والرواية في الأساس سيرة ذاتية ، ولكنها كتبت بأسلوب روائي متميز ، استمد من من الواقع ، صدقه ومباشرته وحرارته . تحكي قصة حياة المؤلف في طفولته ، وبواكير وعيه حتى بلوغه العشرين ، دون ان يدخل المدرسة ! وبعلاقة تنافر حاد مع اب عاطل سكير وقاس ، الى درجة ان يقتل ابنه المريض خنقا ! مما يضطره للفرار من البيت ، والعيش في المقابر والجوامع والطرقات ، والتقاط طعامه من المزابل ، والتعارف مع مشردين وسراق ، يكتب كل ذلك وغيره من التفاصيل المثيرة ، دون ان يتجاوز حتى الأخطاء السلوكية ، بدقة وصراحة صادمة ، وصولا الى دخوله المدرسة وإكمال المرحلة الثانوية ، وقراء كل ما يقع بين يديه ، ثم اشتغاله لاحقا كمعلم ، وهو ما وثقه في الجزء الثاني ، وقد دمج في روايته الذاتي كمعاناة شخصية ، مع الموضوعي مصورا حال المجتمع المغربي الفقير ، وطبقاته المسحوق في ثلاثينيات القرن الماضي ، كما يصف تنقله بين مدن بلده ، مثل طنجة وتطوان والعرائش وغيرها ، مبينا تأثيرها فيه ، واكتشافه للجديد في كل تجربة ، مراكما بوساطتها مداميك وعيه ، الذي ينضح في كل منها ، دهشة وألما وحزنا ، وخسارات اكثر من الأرباح . لكنه لا يخلو من لمسات إنسانية ، تعكسها علاقات من يعرفهم ، من قبل او بالصدفة ،
وقد اتفق العديد من النقاد ، على انها مثلت نصا له حضوره في الأدب العربي ، كنمط جديد من الكتابة الحديثة ، دون ان يدعي هو ذلك .
ترجمها الى الإنكليزية صديقه الكاتب الأمريكي بول بلوز . وقد عرف بعلاقاته الواسعة بكتاب ومستشرقين ، في مختلف قارات العالم ، كما ترجمها الى الفرنسية ، مواطنه الفرنسي الجنسية الطاهر بن جلون . ثم ترجمت الى فيما بعد الى ( ٣٨ ) لغة عالمية أخرى . والمعروف ان نشر اول قصصه في مجلة الآداب عام ١٩٦٦. وهو يقول عنها في مقدمته للطبعة العربية ( لقد علمتني الحياة ان انتظر ، وان أعي لعبة الزمن ، بدون ان أتنازل عن عمق ما استحصدته : قل كلمتك قبل ان تموت ، فأنها ستعرف حتما طريقها ) .
وقد اصدر بعدها ، ( المولع بالورد ) و ( الخيمة ) مجاميع قصصية، و ( السوق الداخل ) رواية ، و ( السعادة ) ، ومؤلفات أخرى .
قال عنه الناقد د . صبري حافظ : ( استطاع ان يسخر الجانب الفني والروائي ، لتحقيق نوع من إحلال الذات في الواقع ) .
وقد فعل حقاً ، حين حول الواقع الى كتابة