ليزلي هوك
مع قميصه الأزرق مفتوح العنق ومُصافحته الحازمة، بيتر وينينك، الرئيس التنفيذي لشركة ASML الهولندية، لا يزال يحيط به طابع المستشار – عمل في ديلويت 20 عاما . لكن بعد 17 عاما في ASML، من الواضح أن شخصيته تأثرت إلى حد ما بطابع المهندس. عندما بدأنا الحديث عن تكنولوحيا الرقائق، لم يستطع مقاومة إمساك قطعة من قرطاسية الفندق لرسم المعادلة الفيزيائية التي تحسب درجة وضوح النقش بالليزر. وكلمات مثل الفتحة العددية والطول الموجي كانت مُلقاة حولها.
هذا الهوس مُلائم. ASML هي أكبر شركة في العالم من حيث المبيعات لصناعة معدّات الطباعة بالليثوجراف، التي تُستخدم لطباعة أنماط الدوائر على رقائق السليكون لصناعة الرقاقات. تكلفة آلاتها المتطورة تزيد على 100 مليون يورو لكل واحدة (يبتسم وينينك ويقول “مثل بيع الطائرات التجارية”)، وتمتلك الشركة حصة سوقية بنسبة تزيد على 85 في المائة.
ASML بالكاد اسم على كل لسان، لكن التكنولوجيات التي تطوّرها هي العمود الفقري لصناعة أشباه الموصلات. الرقائق التي يتضاءل حجمها باستمرار والتي تُنتجها آلاتها، موجودة في الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، والسيارات، ومراكز البيانات وتقريبا كل شيء نعتبره تكنولوجيا اليوم. مع قيمة سوقية تبلغ 34 مليار يورو، ASML هي أيضا الدعامة الأساسية لقطاع التكنولوجيا في أوروبا.
نحن نجلس في قاعة المؤتمرات في فندق بالاس في سان فرانسيسكو. وينينك جاء إلى وادي السليكون لزيارة زبائن ASML وفروعها. حققت الشركة إنجازا مهما هذا العام، عندما استخدمت آلاتها ضوء الأشعة فوق البنفسجية الشديد لنقش السليكون. العملية تنطوي على إطلاق أشعة الليزر على القصدير المُنصهر لإنتاج البلازما، التي تبعث ضوء الأشعة فوق البنفسجية الشديد الذي يتم بعد ذلك تركيزه إلى شعاع باستخدام المرايا في غرفة فارغة. هذا يبدو مُعقدا ، لأنه كذلك. تكلفة عمليات البحث والتطوير التي كانت خلف هذه التكنولوجيا تبلغ نحو ستة مليارات يورو.
يقول وينينك إن الخطوة التالية هي إحداث شُعاع من الأشعة فوق البنفسجية أكثر دقّة بكثير.
مع ذلك، آلات الأشعة فوق البنفسجية الجديدة لا تُباع بالسرعة المتوقعة، في الوقت الذي يزيد فيه الضغط على الأسعار وعمليات الاندماج في صناعة أشباه الموصلات. كثير من المحللين خفّضوا توقّعاتهم بالنسبة لشركة ASML للعام المُقبل بسبب المخاوف حول توقيت شحنات آلات الأشعة فوق البنفسجية، كما انخفض سعر الأسهم في ASML 8 في المائة على مدى الأشهر الـ 12 الماضية. مع مرور الوقت كانت ASML تبيع عددا أقل من الآلات الأكثر تكلفة إلى قاعدة زبائن تندمج أيضا ، جزئيا لتحمّل المزيد من المعدّات باهظة الثمن.
عندما لا يكون مهووسا بشأن آلة ASML التالية، لدى وينينك طموح شخصي للمساعدة في تطوير من شركات التكنولوجيا في أوروبا، خاصة الشركات الناشئة. بلدة شركة ASML التي تقع بالقرب من إيندهوفن في هولندا أصبحت إلى حد ما المركز للشركات الناشئة في مجال الأجهزة. هناك عامل إيجابي آخر، وهو أن شركة فيليبس وشركة إن إكس بي سيميكونداكترز موجودتان في مكان قريب.
يقول وينينك إن الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا في أوروبا يُمكن أن تواجه صعوبات، لأن جمع التمويل في أوروبا أصعب مما هو عليه في وادي السليكون. “الأموال الأوروبية مُحافظة. المسألة لا تتعلّق بالمال – المال في الواقع موجود – بل بإدراك المخاطر”. ويُلقي باللوم على نظريات الماضي. “إذا نظرنا إلى التاريخ الأوروبي في الأعوام الـ 100 الماضية نجده كان وحشيا “. ويأمل أن يكون جيل الشباب أقل عزوفا عن المخاطر.
باعتباره عضوا في لجنة الاستثمار في صندوق التقاعد الهولندي ABP، الذي يُدير أكثر من 350 مليار يورو، يرى وينينك أيضا مباشرة كيف من الصعب على الأموال الأوروبية أن تُساعد على تشجيع المشهد التكنولوجي. في صندوق ABP: “يقولون إن جزءا مما ينبغي أن نفعله هو الاستثمار في الشركات الناشئة. لكن السؤال التالي: أيّها؟ أيّ منها الآمنة؟ حسنا، لا توجد شركة ناشئة آمنة”.
وينينك البالغ من العمر 58 عاما أمضى عامين فقط في منصب الرئيس التنفيذي، وهو أبعد ما يكون عن التفكير في التقاعد، لكنه يأمل أن يُصبح أكثر انخراطا في الشركات الناشئة بمجرد أن يتقاعد في نهاية المطاف. يقول: “ستكون هناك لحظة من الزمن حينما أكون ربما قادرا على مساعدة الناس الآخرين والشركات الأخرى. عليك أن تُعطي شيئا في المقابل. فقد كانت الحياة جيدة جدا معي”.
لديه طفلان ومنزل “عادي بُني اللون” بالقرب من المقر الرئيس لشركة ASML، ويبدو بالفعل أن الحياة كانت جيدة معه. لكن هذا لا يثنيه عن الشعور بشيء من الحزن بشأن راتبه – لا يشكو من أنه منخفض جدا ، فقط أنه سيكون أعلى لو أنه يعمل في شركة أمريكية. “في أوروبا، مستوى أجورنا والطريقة التي نُفكر بها بشأن تعويضات الإدارة تختلف تماما عما في الولايات المتحدة. هناك عقلية كاملة، ونحن نعتقد أن هذا يكفي”. وينينك يحصل على أجر يبلغ ثلاثة ملايين يورو سنويا ، بما في ذلك المكافآت القائمة على الحوافز وخيارات الأسهم، في حين أن أقرانه في وادي السليكون يكسبون أضعاف ذلك. “أنا أقول، لا بأس. أنا لست في حاجة إلى أكثر من ذلك”. باعتباره الرئيس التنفيذي، يرى وينينك مهمته الرئيسة إبقاء الجميع على تواصل – وشخصيته منفتحة على الخارج بشكل مناسب. هذا ينطبق على المهندسين في المختبر، فضلا عن المساهمين والزبائن، الذين يعملون عن قرب مع شركة ASML لتطوير تكنولوجيات الرقائق الجديدة ـ عدد من أكبر زبائنها هم أيضا مُساهمون: إنتل وسامسونج وTSMC، تملك معا أكثر من خُمس أسهم ASML. أما بالنسبة للتواصل بين المهندسين في ASML الذين يُشكّلون أكثر من ثُلث موظفيها، يقول وينينك في بعض الأحيان لا بد من تذكيرهم بالأهداف الأوسع للشركة. “أنا أعرف أنها أرضية خطيرة [للحديث عن هذا]، لكن المهندسون يحبون التفاصيل، إنهم يحبّون عُمق ما يفعلونه. ومن وقت لآخر ينسون الصورة الأكبر”. ويُضيف إنهم في بعض الأحيان يُمكن أن يكونوا “ساذجين” بشأن مسائل الأعمال. لكن النجاح طويل الأجل لشركة ASML يقع إلى حد كبير على عاتق المهندسين. يشعر كثيرون في صناعة أشباه الموصلات بالقلق من أن وتيرة التقدّم المُحرز في إطار “قانون مور” آخذ في التباطؤ أو يقترب من نهايته. وينصّ قانون مور، وهو مبدأ تم تطويره أول مرة من قِبل جوردون مور في الستينيات، أن عدد الترانزيستورات الموضوعة على الرقاقة سيتضاعف مرة كل عامين، وبالتكلفة نفسها. هذا المبدأ يوجّه القطاع، من المُطوّرين إلى المُستثمرين، على مدى عقود من الزمن. تطور الرقائق التي تتقلّص باستمرار أمر حاسم بالنسبة لشركة ASML، لأن كون كل جيل جديد من الآلات أكثر فاعلية من حيث التكاليف وأكثر دقّة من الجيل السابق هو ما يدفع الزبائن لشرائها. يقول وينينك: “منافسنا ليس أي شركة أخرى إلى حد كبير، إنه قانون مور”. بالنسبة لكل آلة جديدة يجب تبرير السعر من وفورات الكفاءة الإضافية التي تستطيع توليدها. “[إنه] قانون من قوانين علم الاقتصاد، ويتعلّق كثيرا بالقدرة على تحمّل التكاليف. إذا لم نُحقق تلك الأهداف المتعلّقة بتحمّل التكاليف، عندها زبائننا لن يشتروا الأدوات”. وينينك من مؤيدي قانون مور في الوقت الذي يشعر فيه كثيرون بالقلق من أن عدد الترانزيستورات التي يُمكن وضعها على الرقاقة يبدأ بأن يكون محدودا بسبب قوانين الفيزياء. حتى شركة إنتل قالت إن دورة المُضاعفة تطول إلى عامين ونصف العام.
يعتقد وينينك أن قانون مور سيستمر. وبابتسامة يقتبس عن كبير الإداريين للتكنولوجيا في شركته: “سوف يتوقف قانون مور عندما تنفد منّا الأفكار. ونحن لا يزال لدينا الكثير من الأفكار”. بعد ذلك بدأ يرسم المعادلات.
لكن في وقت لاحق يكشف أنه كان يعاني المخاوف نفسها في عام 1999، عندما كان يفكر فيما إذا كان ينبغي له ترك الأمن الوظيفي المتوافر لدى “ديلويت”. سأل كبير الإداريين للتكنولوجيا في ASML إلى أي مدى سيكون بالإمكان تطبيق قانون مور. يقول: “أخبرني أن لدينا 15 عاما أخرى. وبعد 17 عاما سألته السؤال نفسه، وقال: ’لدينا 15 عاما أخرى”.