نشوان محمد حسين
سياسة زعماء حزب العدالة في تركيا كثيرا ما تذكرني بسياسة زعماء حزب «الاتحاد والترقي» (1909-1918) حيث كانوا يندفعون بمحركات بعيدة عن دراية العقل السياسي وينتقلون من مأزق إلى مأزق، فمن حرب البلقان في 1913 إلى الحرب العالمية الأولى في 1914 وما تخللهما من هزائم فتتت إمبراطوريتهم ناهيك عن فضحية إبادة الأرمن سنة 1915 وسياستهم العنصرية التي ساعدت على الثورة ضدهم من قبل حتى شعوبهم المسلمة مثل العرب والكرد سنة 1916 إلى لحظة استسلامهم للحلفاء في 1918.
زعماء تركيا اليوم تعاملوا بفقر سياسي وصل إلى حد الغباء مع ما سُمي جزافا بالربيع العربي ولا يبدو أن نفوذهم ومصالحهم في ليبيا اليوم أفضل مما كان أيام القذافي، أما في مصر فإنهم سرعان ما خسروا كل شيء بل أنهم جعلوا من مصر السيسي عدوا لهم بتدخلات لم يجنوا منها سوى القطيعة، حتى أن علاقاتهم مع السعودية ليست في أحسن مراحلها وكان يمكن أن تتحول إلى صراع معلن لولا التقاء مصالحهم في مواجهة خصومهم في سوريا خصوصا بعد التدخل المباشر لروسيا.
كذلك فيما يخص مشاكل تركيا التقليدية فإنهم لم يزيدوا علاقتهم مع اليونان الا توترا خصوصا فيما يخص قضية قبرص.. أما داخليا فإن مشكلة حزب العمال الكردستاني سرعان ما اشتعلت بعد هدنة تفاخر زعماء تركيا بها كثيرا.
سيقول البعض أن زعماء حزب العدالة فازوا بالانتخابات الأخيرة.. نعم ولكنهم بعد أن وضعوا الناخب التركي المعارض لهم في خيار أهونه مر ولا بد منه في ضوء ما أفرزته سياستهم العدائية من صراعات وتحديات.
أما بخصوص النمو الاقتصادي فلا ننسى أن هنالك دعما غربيا خفيا وعلنيا لتركيا مقابل اتخاذها بعض السياسات والمواقف مما يجري في المنطقة ولا يفوتنا أن اقتصادها كان ينمو مؤخرا بفعل الاتفاقيات الاقتصادية مع روسيا وإيران والعراق وسوريا ومصر ودول أخرى، ولكنها ها هي اليوم تخسر كل هذه الامتيازات بفعل سياسة عدائية يغلب عليها الارتجال والتخبط، وحتى ما جنته اقتصاديا بفعل حلفائها الإرهابيين في سوريا والعراق من نفط رخيص وسرقة معامل ومواد أولية أخرى أصبح تهمة تلاحقا في المحافل الدولية فضلا عن خراب السمعة.. فروسيا وبعد الخطوة الغبية لزعماء الأتراك في إسقاط طائرتها بدا أنهم الخاسر الوحيد في طرف المعادلة الروسية – التركية وعلى مستويات عده جعلت من تركيا ذليلة إلى حد كبير وأفقدتها بشكل كبير فرصة لعب دور أكبر في سوريا.
الغريب أن تركيا وقبل أن تمسح خسارة فعلتها هذه قامت بفعلة أخرى قد لا تقل رعونة عن الأولى حين قامت بإدخال قوات عسكرية إلى محافظة نينوى تحت مبررات تبدو مضحكة للرأي العام، ورغم رفض عراقي متواصل يبدوا أنه سيتطور بدءا من إلغاء الملحقية التجارية التركية في بغداد وقد لا تنتهي بإدانة لها في المحافل الدولية.
وليس ببعيد أن يتسبب تجاوزها هذا بأعمال عسكرية تجر معها المنطقة إلى حرب إقليمية وتدفع تركيا فيها ثمنا لا يعوض. رب سائل يسأل: هل تركيا مضطرة لكل هذا؟! الجواب هو أن لا شيء يستحق هذه المجازفات على مستوى الواقع التركي، ولكن في العالم الخفي للسياسة لا تكون سياسة البلدان بمنأى عن أصابع دول أخرى، وما يبدو برأيي الشخصي هو أن هنالك من يدفع بتركيا إلى سياسة تصعيديه عدائية مستغلا وجود أحزاب وشخوص يحبلون بطموحات لا تطيقها بطون بلدانهم.
هذا الدفع بتركيا يذكرنا بدفع بريطانيا وفرنسا السري والعلني لها خلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر للوقوف بوجه أي تمدد لروسيا القيصرية قبل أن يحين موعد افتراسها في الحرب العالمية الأولى وقد كانوا حريصين على وضعها في خانة خصومهم الألمان مستعينين بالدوران الأعمى لحكومة «الاتحاد والترقي» لتخسر تركيا بعد ذلك كل شيء.