Pdf copy 1

صادق كاظم 
لمعركة تحرير الرمادي خصوصية معينة, حيث إنها تأتي في ذروة الصعود والانتصار العراقي الذي بدأ وتواصل منذ اليوم الأول للشروع بعمليات التحرير واسترداد المناطق المغتصبة من اسر داعش ووصولا إلى اليوم الذي تمكنت فيه القوات العراقية والقوات الساندة لها من دخول مركز مدينة الرمادي الذي مثل رمزا لهزيمة داعش واندحارها.
احتاج العراقيون الى ستة اشهر لخوض معركة تعد الاصعب والاشرس في تاريخ المواجهات مع عصابات داعش, حين تحولت وبشكل تدريجي ومنذ اتخاذ القرار باسترداد المدينة بعد خسارتها بشكل مؤقت الى معركة خطوط اتخذت مراحل عدة, حيث تم امتصاص ما لدى داعش من مفخخات حاولت الزج بها من اجل تدمير القوات العراقية الباسلة التي اتخذت لها خط صد رئيسي ووحيد شرق المدينة لمنع عصابات داعش من تهديد قاعدة الحبانية وصولا الى أطراف بغداد لتتواصل بعدها العمليات وبالصفحات المعروفة التي انتهت بدخول مركز المدينة والسيطرة عليه.
كانت الخطة العراقية المضادة تقوم على تدمير واستنزاف مخازن داعش ومقراته وتدمير ما فيها من عناصر, فضلا عن مفخخات وأعتدة وذخائر عبر الطائرات والصواريخ والمدفعية واستنادا الى قاعدة معلومات استخبارية رصينة ودقيقة, حيث خسرت داعش اغلب ما لديها من مفخخات وعناصر انتحارية قضي عليها في مقراتها الخلفية ليتم بعدها التحول نحو اسلوب القضم والمحاصرة عبر تحرير المناطق والمقتربات التي تشكل خطوط إمداد بين الرمادي ومحيطها, اذ شرعت القوات المشتركة ومن عدة محاور بتنفيذ هذا الاسلوب الناجح الذي اجبر داعش تدريجيا على ترك المناطق التي سيطر عليها في البداية نحو مناطق اكثر عمقا من المركز خوفا من عمليات العزل والتطويق لتتمكن القوات الأمنية بعدها من التأسيس لخطوط صد وإمداد تسمح لها بالمناورة وحرية التنقل ما بين المحاور. 
كان الاسناد العشائري واضحا ومميزا وأسهم في منح العملية غطاء معنويا اسقط كل التقولات التي أرادت اتهام العملية بالطائفية وإثارة الجدل بشأنها من قبل جهات اعتادت أن تروج لمثل هذه الأكاذيب وتحاول تسييس مثل هذه العمليات كما فعلت في السابق, حيث برهنت وأكدت هذه المشاركة حقيقة التلاحم والإصرار الوطني  الكبير المؤطر بصفحات من الملاحم التي أسست لهذا الانجاز الكبير. 
لقد حاولت عصابات داعش ان تجعل من معركة الرمادي مقدمة لعمليات اوسع واشمل تهدف الى السيطرة على المحافظة بالكامل وتحويلها الى «رقة» اخرى تكمل اضلاع المثلث الذي تسيطر عليه والذي يمتد من الرقة الى الموصل وصولا الى الرمادي ليكون قاعدة تعمل على التواصل بين هذه المدن وتمهد لشن عمليات تتوسع لاحقا صوب العاصمة بغداد وباقي مدن الجنوب والوسط تمهيدا لابتلاع العراق بأكمله. 
اثبتت عملية التحرير وفق الخطط المرسومة التي وضعت لها إمكانية وقدرات العراقيين المتصاعدة الذين اتخذوا قرار التحرير بعزيمة وهمة أحالت أوهام الدواعش الزائفة إلى كوابيس وانكسارات, حين انقلب الموقف رأسا على عقب لتبدأ عملية التحرير بخطوات متصاعدة أدت الى تحقيق هذا الانتصار الكبير والمقتدر.
معركة الرمادي بنصرها المؤزر جاءت بسواعد مقاتلين اشداء رابطوا على السواتر وواجهوا بشجاعة المئات من السيارات المفخخة ومئات الإرهابيين الانتحاريين وتحملوا اشد ظروف الطقس ضراوة وشدة من حر وبرد. 
لقد جرت العمليات بتنسيق مشترك ورفيع بين صنوف الجيش وأسلحته الساندة التي قدمت فيما بينها لوحة رائعة من التعاون الناري والعملياتي وتطبيق التكتيكات التي تلاءمت مع الاسلوب الداعشي الذي حاول بشتى الوسائل والأساليب ان يؤخر الانجاز والحسم الذي تقدم بسرعة اكبر. 
لقد كان تعاون القطعات المشاركة على مسرح العمليات واحدا من اكبر الاسهامات التي اثبتت تطور قدرات الجيش العراقي الرفيعة, اضافة إلى قواه الساندة الأخرى التي كانت صفحاتها في القتال لا تقل كفاءة وبراعة عن كفاءة قوات الجيش وفرقة التدخل السريع وجهاز مكافحة الإرهاب، وهي قوات لقنت عصابات داعش دروسا لا تنسى وأذاقتها مر الهزيمة والهوان.
ان الانجاز الكبير بتحرير الرمادي لا يزال بحاجة إلى خطوات أخرى تعمل على دعمه وتأطيره, حيث ان هناك بعض الجيوب التي لا تزال تسيطر عليها عصابات داعش في الجانب الشرقي من الرمادي, فضلا عن المدن المحتلة التي تقع على الحدود مع سوريا والأردن ككبيسة وعانة وراوة وهيت والرطبة والتي تحتاج إلى عملية أمنية واسعة لاستعادتها وإغلاق ملف تواجد داعش الكريه فيها, اذ ان هذه العملية ستعمل على إغلاق الرمادي ومنع تحولها الى عامل تهديد للبلاد مجددا وتسهم في تحشيد الجهود والقوات الامنية صوب الموصل التي ستطلق معركة تحريرها رصاصة الرحمة على داعش, خصوصا وان هناك مناخا دوليا واقليميا توافقيا بات مقتنعا بأن وجود عصابات داعش يجب ان ينتهي من المنطقة خلال العام المقبل والدليل تغير الموقف الميداني الكبير في سوريا, حيث تواجه داعش هناك هزائم وانكسارات, بل ان عاصمتها في الرقة مهددة بالسقوط خلال الفترة المقبلة.

التعليقات معطلة