للتلقائية حضور طاغي لا يمكن تجاهله، وعندما تمتزج تلك التلقائية بروح طفولية وخفة دم، يصبح صاحبها مصدراً لا ينتهي للبهجة، وهو ما كانه الفنان الراحل يونس شلبي، الذي عشق التمثيل منذ نعومة أظافره، عندما كان في الصف الثاني الإعدادي، وظل مشاركاً في فريق التمثيل في مدرسته حتى أنهى الثانوية العامة، ليلتحق بمعهد الفنون المسرحية قسم التمثيل عام 1969.
يقول بيير كورنيل: “البريء المتفاجئ لا يمكنه تصور أن يكون موضع شبهة، ولم يكن الطفل الكبير سوى بريئاً للنهاية”.
مدرسة المشاغبين
كانت نقطة انطلاق يونس شلبي هي مسرحية مدرسة المشاغبين ثاني مسرحياته بعد مسرحية الغول، وكان وقتها مازال طالباً في السنة الرابعة، وفوجئ الجمهور بذلك الشاب القصير ذو الكرش والشعر المتناثر، يجوب المسرح ناشراً الضحك حوله كلما تحرك أو نطق، وخرج الجميع مقتنعاً باقتحام هذا الطفل الكبير لعالم الكوميديا، متوقعين أن يعتليه خلال فترة قليلة بصحبة زملائه عادل إمام وسعيد صالح.
ويعود نفس الطفل “ذو الكرش” ليؤكد من خلال مسرحية العيال كبرت، لتحطيم كل حدود الفم والروح في الضحك، ويترك أثراً في كل الأجيال التي شاهدت المسرحية منذ عرضها إلى الآن، وإلى زمن قادم.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ويسقط النجم في فخ ما يسمى بأفلام المقاولات، بصحبة رفيق الطريق سعيد صالح، ويقدم عدداً من الأعمال التي تقتل الموهبة، والتي كانت التلقائية فيها نوعاً من السطحية لأن العمل ذاته بلا أي عمق، وينشغل الفنان الطفل الذي فقد طموحه بلقمة العيش عن فنه، ليختفي رويداً رويداً من على الساحة، وكأن سيف الحزن الغاشم حريص على قتل مصادر البهجة في عالمنا.
يقول جون شيرلي: “يمكن اعتبار البراءة حالة غير مترابطة من العقل، ويبدو أنها كذلك في حالة صاحبنا”.
الطفل الكبير
ولأن الطفل داخل يونس شلبي مازال محتفظاً بشقاوته ونزقه، يشارك الفنان في مسلسل الأطفال بوجي وطمطم، ليبقى علامة فارقة في تاريخه وتاريخ كل أجيال السبعينيات والثمانينيات، ويقدم برفقة الفنانة هالة فاخر بإمكانات محدودة جداً، وتألق غير عادي للفنان رحمي عدة أجزاء، غنى فيها يونس بصوته الشجي الذي يشبه ترقرق ماء الترعة ساعة مغربية في الريف المصري، كما قدم مجموعة من المسلسلات بخفة دمه المعهودة وتلك المسافة الباقية للأبد بينه وبين النجومية، وكأن البراءة والطفولة تكره السطوع.
الرحيل
رحل الطفل الموهوب ذو الكرش خفيف الظل وحيداً بعيداً عن الوسط الفني، بعد رحلة مرهقة مع المرض، رحل صاحب التلقائية الممتعة، وأحد أنبياء الضحكة حزيناً مكسوراً، ليلقى إلينا بحكمة لا تغيب، أن الموهبة بلا طموح تقتل صاحبها، وكأنه لعب في الحياة شخصيته في مدرسة المشاغبين والعيال كبرت، فناناً يعجز عن توجيه موهبته.