جمال جاسم أمين
– 1 –
هناك ما يشبه البديهيات على صعيد انتاج مثل هذا الخطاب او تفعيل عجلته اذا صح القول أوّلها بلا شك الاعتراف بالخلل وتشخيص حدوده ومدى فداحته، وهنا لا ينفعنا الكلام العائم، والتهويمات الاعلامية او السجالات الحزبية التي تريد أن تبرئ احدا على حساب آخرين قد يكونون ابرياء!.
يحدث احيانا ان يبحث الجناة الحقيقيون او الفاسدون عن ضحية صغيرة ليعلقوا على شماعتها كل ما حدث وجرى حتى تظهر كأنها المذنب الوحيد او الفاعل الاكبر في هذه اللعبة. ما يراد اذن هو المكاشفات الدقيقية التي تضع الاصبع على الجرح ولا تدع مجالا للمخاتلات او خلط الاوراق. الكلام الطويل وغير المنضبط يوفر فرصة اكيدة لمثل هذا الخلط وهذا ما يحدث غالبا في مناظراتنا وشفاهياتنا المفتوحة ابدا على الاتهام السريع وردّه باتهامات مقابلة من نوعه وربما بدرجة اعلى، لكن الحصيلة ان الجميع متهمون وابرياء في الوقت نفسه!.
هذا ما توفره المساجلات غير المستندة الى معايير قانونية او منطقية تحدد المسؤولين عن الخلل، ترى كم سنستسمر في لجّة الكلام بل في لجّة الشعار؟.
ان الشعار المرفوع بقصد الاصلاح صار هو الآخر يافطة عريضة قد يستظل بها المفسدون ايضا!. حتما سنحتاج الى معايير ضاغطة تصف لنا حدود الفساد ومن مارسه بصورة اكيدة كي نخرج من خانة الاتهامات السائبة التي لا تقدم نفعا على هذا الصعيد. خطاب الاصلاح لا يمكن ان يظل تنظيرا بلا مشروع اجرائي او خطوات عملية نشرع بأبسطها في اقل تقدير، وللتقدم على هذه الارض الحرجة ينبغي على الكتل والاطراف التي تزدحم في واجهة المشهد ان تتريث قليلا او تنحسر بقدر يسمح لعربة الاصلاح ان تمر!.
ينبغي ان يكون مثل هذا الكلام ليس مناشدة او التماسا تطلقه جماهير الاحتجاج بل حاجة وضرورة يتحسسها القائمون على الامر انفسهم وقبل غيرهم.
هذا هو محك الوطنية واختبار اولويات المصالح التي تتشكل من خلالها المواقف، اختبار ومعرفة من يسد المجرى على موجة الاصلاح ومن يبارك مرورها بمسؤولية عالية، ولم يعد الامر اختيارا خاصة بعد ان تفاقمت الحاجة لايجاد بدائل واقتراح اكثر من خطاطة حل للخروج من الازمات الخانقة.
لا يمكن ان ندعي ان الازمة اقتصادية محضة بل هي تحصيل حاصل ازمات ونتاج تراكم اخطاء كان من مظاهرها هذا الخانق الاقتصادي، الجزء البارز من جبل الثلج كما يقال.
– 2 –
للمداولة في الجزء الاهم او الغاطس الذي لا نراه بل نرى تمظهراته البادية للعيان علينا ان نتساءل عن نوع وحدود خطاطة الاصلاح، هل المقصود تغيير واستبدال الطبقة الحاكمة وحدها ام ينبغي التطرق قليلا لنوع ثقافتنا السياسية التي ستنتج طبقات مشابهة في السلوك وإنْ اختلقت الاسماء؟.
ينبغي ان نذهب للاعتراف رغم مرارته بأن القاعدة الثقافية للمجتمع، أي مجتمع، ليست بعيدة عن انتاج نوع السلطة السائدة، هذه البديهية قد لا ترقى الى تسمية الاعتراف لو كنا على درجة كافية من المكاشفة والوضوح لكن فضاء التواطؤ السائد في سجالاتنا السياسية وقاموس الترضيات المبني على مصالح متبادلة حتى بين الخصوم هو الذي يدمغ البديهيات الى درجة ان يصبح اعلانها او التلميح لها بشارة يمكن ان ترقى لمعنى الاعتراف! ومهما يكن من امر فان مراجعة الانساق القارة ونقد فكرة السلطة في العقل الجمعي تعد لازمة من لوازم الاصلاح وإلا فان الجهود المبذولة ستقع في خانة الترميم المؤقت لا غير. معنى هذه الانتباهة ان الظروف الحاصلة وارتفاع المطالبة باصلاحات سياسية واقتصادية وخدمية عامة تعد فرصة مناسبة للتذكير بأن الخلل الذي تعانيه الناس هو تحصيل حاصل ثقافة خاطئة وعقل سياسي قصير المدى ينظر للسلطة على انها إمرة او إمارة، سلطان يتربع وجمهور يخضع!. علينا ان نتخلص من هذه البداوة السياسية كي ندخل عصر الدولة بعد ان نشذب كل راسب يشدنا للوراء ويعمينا عن رؤية المستقبل الفسيح، ما يعني ان مشروع الاصلاح هو اجتماعي في جوهره قبل ان يكون سياسيا لأن السياسة انعكاس لنوع وطبيعة المجتمع وان السياسيين ما هم إلا تمثيل للناس انفسهم.

