المواقف السياسية لأمبرتو إيكو تتناقض بشكل الإبداع
حين يموت مبدع أو مفكر كبير، وينقسم الناس حوله، فهذا على الأرجح، ليس بسبب إبداعه، بل بسبب مواقفه السياسية التي تتناقض بشكل أو بآخر مع ذلك الإبداع، حدث هذا مع نجيب محفوظ بسبب تأييده اتفاق كامب ديفيد، ومع أميل حبيبي بسبب تسلمه جائزة إسرائيل الإبداعية، ومع جان بول سارتر بسبب مواقفه من إسرائيل، وسعيد عقل بسبب عنصريته، وسيحدث حتما مع مبدعين ومفكرين آخرين، نظرا لأن الفكر والإبداع قيمتان إنسانيتان ساميتان، لا يغتفر فيهما ارتهان المبدع لمواقف سياسية إشكالية، تتناقض مع ما يقدّم كلّ من المفكر أو الأديب في إنتاجه. يحاول البعض في هذه الأيام إقامة محاكمة لأمبرتو إيكو بسبب زيارته الأخيرة إلى إسرائيل، وعدم معارضته لسياسات حكومة نتنياهو العنصرية، بل وحتى موقفه من شبكة فيسبوك، والذي يحمل احتقارا مبالغا فيه لحرية الآخرين في التعبير. هذا جانب من هذه المحاكمة حاول أن ينسف القيمة الإبداعية لإيكو، وهذا في حد ذاته جريمة قتل للجانب الإبداعي، لا تقل عن موقفه ذاته الذي أثار حفيظة المنتقدين.وقبل عقدين من الزمن حاول الراحل سعدالله ونوس قتل ابن خلدون، إبداعيا في مسرحية “منمنمات تاريخية”، بسبب موقف الأخير من تيمورلنك وقبوله أن يكون من حاشيته، بل وتقبيل يده، فكان هذا الأنموذج مدخلا لمحاكمة ما أسماه “المثقف التقني” الذي يفصل بوعي، وعن سابق إصرار وترصد، بين مواقفه السياسية الرجعية، وبين إبداعه أو فكره، ويومها أثير الكثير حول هذه الطريقة في محاكمة الفكر والإبداع، وأذكر أن الكثيرين انتقدوا ونوس بسبب موقفه من أدونيس الذي كان برأيهم يتبنى مواقف سياسية لا تتناسب مع إبداعه.هي معضلة إذن، ولا مجال فيها لتبني موقف حاسم قاطع، بفصل حياة المبدع عن إبداعه، ولكن أليس هناك قيم بشرية عامة يمكن من خلالها وضع معايير لما هو جائز وغير جائز للمبدع؟
وهل يمكن فصل إبداع شاعر، على سبيل المثال، عن موقف سياسي يؤيد فيه قتل مواطنيه الذين كثيرا ما ادّعى الدفاع عنهم، بسبب ما يعتقده من صواب في موقف سلطة غاشمة؟
حتما لا، فالمبدع أو المفكر التنويري، ليس ملكا لنفسه، بل هو شخصية عامة، لها حسابات مختلفة في التعامل معها، حتى في القوانين الوضعية، ولذلك يمكن أن يقال إنه لا يجوز للشاعر ما يجوز لغيره.

التعليقات معطلة