محمد شريف أبو ميسم
يبدو ان مفردات برنامج الاصلاح الحكومي تسير على نحو غير متكافئ ما بين محوري الاصلاح الاقتصادي والاصلاح السياسي، اذ تأخذ الخطوات الاجرائية شكلا متسارعا على المحور الاقتصادي بالقياس لحالة السكون والتباطؤ على المحور السياسي، في وقت يتفق فيه الجميع ان الكارثة التي حلت بالبلاد في أعقاب مرحلة طويلة من الاستبداد، كرستها حالة التشرذم والخلل البنيوي في العملية السياسية وفي طبيعة التشكيلات التي حكمت البلاد بعد العام 2003.
ومن المعروف ان أية معالجة تستثني أسباب الظاهرة وتأخذ من نتائج تداعيات تلك الظاهرة هدفا لها، تكون معالجة ترقيعية ان لم تكن معدة سلفا لتحقيق القصدية في التعاطي مع التداعيات بوصفها هدفا جوهريا للاصلاح، فالفساد الذي وجد في البيئة السياسية حاضنة مثالية لنمو وتكاثر المفسدين كان السبب الرئيس في وصول البلاد الى هذه المرحلة من التراجع في الاداء المؤسسي والهدر في المال العام، فيما جاء الترهل الوظيفي في الجهاز التنفيذي للدولة نتاجا لسلوك التشكيلات السياسية التي اتخذت من مواقع المسؤولية امتيازات لتوسيع قاعدتها الجماهيرية وكسب المزيد من المؤيدين لها بدعوى خلق فرص العمل على حساب الكفاءة والمهنية، متجاهلة ان خلق الفرص الحقيقية للعمل يتطلب تفعيل الطاقات القائمة في المنشآت والشركات العامة واضافة طاقات أخرى للانتاج في المحافظات والمدن الآمنة والحد من انفلات السوق لصالح تجارة المفسدين وأذنابهم، اذ نجم عن ذلك ترهل غير مسبوق في جهاز الدولة على حساب معدل انتاجية لم يتجاوز 17 دقيقة في اليوم الواحد للموظف الحكومي، فجاءت المعالجات الاصلاحية الآن عبر ما يسمى بالخصخصة للهيمنة على القطاع العام بدعوى الخلاص من الفساد وتفعيل دور هذه الشركات التي كانت ضحية لسوء الادارة جراء وضع الرجل غير المناسب في موقع المسؤولية.. فيما كان الوضع الأمني المتدهور بفعل تعاقب الأزمات الناجمة عن صراع ذوي النفوذ على السلطة سببا في فشل العديد من الفعاليات الاقتصادية وفي مقدمتها السياسة النقدية وأدواتها التي كلفت البلاد الكثير من الأموال لصالح الطبقة السياسية وأذنابها عبر «مزاد العملة اليومي والاستثمار الليلي لودائع المصارف الخاصة» بهدف الوصول الى استقرار نقدي يساهم في خلق مناخ جاذب للاستثمار الأجنبي في وقت لم تكترث فيه القوى السياسية النافذة لأهمية خلق هذا المناخ عبر تحقيق الاستقرار الأمني والقانوني بهدف استدراج رأس
المال الخارجي. وفي هذا الاطار اقتصرت الاجراءات على تعديلات متكررة لقانون الاستثمار لمنح المستثمر المزيد من الامتيازات في أجواء من عدم الاستقرار الأمني وغياب التشريعات الأخرى التي تنظم علاقات السوق، فيما خضعت السياسة المالية مؤخرا لمزيد من التقشف والخفض في معدلات الانفاق العام على أثر انخفاض أسعار النفط وزيادة نفقات الحرب على الارهاب، بعد أن كانت تنحو منحى سياسيا في كثير من مراحل الوفرة وهي بصدد تحقيق الأهداف التنموية، اذ استخدم الريع النفطي باتجاهات تتقاطع مع اتجاهات السياسة النقدية ومع بعض مفاصل خطط التنمية بما يتناسب وتوجهات القوى النافذة والساعية لتحقيق المزيد من التأييد الجماهيري وبما يلجم أفواه شخوص القوى الأخرى الذين تركت لهم فرص العطاءات والمناقصات والمقاولات لكثير من مشاريع البناء والاعمار دون رقابة حقيقية وحصص كبيرة من القروض المدعومة، حتى صودر الريع كليا لصالح الرساميل التي نضجت بأشكال وطرق مختلفة خلال المرحلة الماضية.. واليوم يراد لهذه الرساميل أن تقود الاقتصاد العراقي بدعوى الانتقال لاقتصاد السوق.
ان الاصلاحات التي يتفق عليها الجميع تنطلق من معالجات صميمية لاسباب الظاهرة المتمثلة بالاختلالات الهيكلية للعملية السياسية.. اصلاحات لا تقتصر على ما أفرزته تداعيات المرحلة السابقة التي كرستها حالة التصارع على السلطة، واذا كانت الحكومة الحالية والقوى التي تنادي بالاصلاح غير قادرة على اعادة تشكيل البنية السياسية التي رسختها السنوات الماضية، فعليها ابتداء أن تخرج من جلبابها الطائفي وتدعم فكرة وجود كتلة عابرة للطوائف التي دعا لها رئيس مجلس الوزراء، وان تكف عن اعاقة الحرب على المفسدين وتتبرأ من شخوصها الذين تحال أوراقهم الى القضاء بدعاوى تضخم الأموال والكسب غير المشروع وان تكف عن اجترار ما يقال من قبيل «الاستهداف الطائفي والتسقيط السياسي»، فضلا عن أهمية وضوح البرنامج الاصلاحي في محوره الاقتصادي، فهل سيصادر القطاع العام لصالح الرساميل التي نضجت على حساب المال العام دون محاسبة؟ وهل نحن ماضون باتجاه الانتقال لنظام اقتصاد سوق رأسمالي يلغي دور الدولة بالكامل بدعوى ليبرالية السوق؟، وبالتالي هل من الوفاء للأرواح التي ضحت دفاعا عن حرمة هذه الارض أن يطلق العنان لرأس المال الفاسد ليتحكم بمصائر اليتامى والارامل والمعاقين والفئات الفقيرة التي تمسك بالسلاح للدفاع عن المتخمين؟ نحن يا سادتي لا نطالب – وانتم تنتقلون بنا الى ما تطلقون عليه ليبرالية السوق – بغير نظام سوق اجتماعي يحرّم على من نهب المال العام ومن تطفل على جسد الدولة الدخول للنشاطات الاقتصادية ويلزم رأس المال بواجباته الأخلاقية تجاه المجتمع، من خلال منظومة اقتصادية تحمي العامل والمستهلك والبيئة والسلم المجتمعي من وحشية رأس المال وتضمن المنافسة وتمنع الاحتكار والاتجار بالبشر وتحفظ للدولة هيبتها وسيادتها من خلال شركة نفط وطنية غير قابلة للخصخصة.