محمد شريف أبو ميسم
يتبجح عموم الداعين لحرية رأس المال بالقيم الليبرالية التي تتيح للملكية الفردية التوسع عبر مفهوم الحرية خارج نطاق الوفرة المالية عبر فضاء يترك للمضاربة دون انتاج للحاجات الأساسية بدعوى ان الفرد الحر وهو بصدد تحقيق أهدافه فانه سيحقق ما يخدم الآخرين في المشهد الكلي وفق معيار الاصلح، وهذا المنطق الذي يجتره الطارئون على الفلسفة الليبرالية يتماهى مع حقيقة مفادها أن الليبرالية تدعو لحق الفرد في أن يحيا حرا كامل الاختيار مع ما يستوجبه هذا الاختيار من تسامح لقبول الاختلاف، إذ أن الحرية الشخصية هي المظلة لحرية رأس المال وحرية التملك وحرية التعبير عن الرأي وحرية المعتقدات والحقوق المدنية الأخرى.
وبالتالي فان من يدعو لها -وهو بصدد بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الانسان- سيكون في موضع سخرية الآخرين إذا ما دعا إلى ما يخالف متبنيات هذه الحرية.. إذ ليس من المعقول أن يوضع “الثريد” في علبة للمايونيز وأن يتحول المنحازين كليا نحو ليبرالية السوق بدعوى الديمقراطية والحرية الى متحمسين لقانون يتنافى تماماً مع مفهوم الحرية وأبسط قواعد وأحكام حقوق الانسان مثل قانون التجنيد الالزامي، بدعوى محاربة الطائفية، وهي المنتج الرئيس للفساد والارهاب وعدم الاستقرار الذي جاءت به القوى النافذة جراء الاختلالات الهيكلية في العملية السياسية.
بعض هؤلاء كنا نسمع اتهاماتهم لأنصار اقتصاد السوق الاجتماعي وهو «نمط من انماط النظام الرأسمالي في اطار تأمين المجتمع والعاملين» بأنهم منحازون لاقتصاد الدولة على اعتبار أن نظام اقتصاد السوق الاجتماعي لا تكون فيه الحكومة سلبية كما في نظام اقتصاد السوق الرأسمالي، اذ تتدخل على هامش مجرى الاقتصاد، فيكون لها دور في تحفيز النشاط الاقتصادي، ووضع السياسات التي تضمن منافسات متكافئة، بجانب السياسات الاجتماعية التي تضمن للعاملين وعموم المواطنين الحق في الرفاه الاجتماعي كما في ألمانيا والنمسا والدنمارك، وعلى خلاف ذلك لا تقوم الدولة بأي نشاط اقتصادي يستطيع فرد أو مجموعة أفراد القيام به في نظام اقتصاد السوق الرأسمالي وهذا ما يراد به إلغاء دور الدولة بالكامل من المشهد الاقتصادي بدعوى ليبرالية السوق، اذ يطلق العنان لرأس المال الخاص في تسيير شؤون الحياة. وفي كلا الحالتين المغايرتين لاقتصاد الدولة في النظم الشمولية تكون الحرية موضع تقديس واحترام، ولا يحق للتشكيلة السياسية أن تنتزع هذه الحرية من الأفراد لأن هيكل الدولة مبني على أساس ضمان حرية الملكية الفردية التي تشكل مجمل فعاليات الاقتصاد الكلي وبالتالي لا يمكن تشريع قوانين تتنافى مع الحرية بوصفها روح الدولة الديمقراطية الضامنة لحقوق الانسان.
هؤلاء الطارئون على المفاهيم، اجتزأوا من مفهوم الدولة الليبرالية ما ينفع غاياتهم وينضج رساميلهم على حساب العدالة الاجتماعية، في وقت اتخذوا فيه من الشعار الطائفي أداة لتسويق أنفسهم على مدار فصول المشهد السياسي، وساهموا في تكريس الفساد ونهب المال العام ، وهم يسعون اليوم جاهدين لخصخصة الشركات العامة والتأسيس لخصخصة القطاع النفطي بدعوى ليبرالية رأس المال فيما راح البعض منهم يتبنى قانون الخدمة الالزامية بوصفه مدافعا عن اللحمة الوطنية التي ساهم في تمزيقها بطائفيته المقيتة.. وبدلا من ايجاد المعالجات لأسباب الظاهرة التي كانوا سببا في بلورتها وشيوعها عبر الدعوة لاصلاح البنية السياسية، راحوا يدعون لترقيع التداعيات على حساب أصل المشروع الداعي لحقوق الانسان والذي دافع ويدافع من أجله الجميع.
اذ يذهب البعض منهم لعرض فضائل تطبيق قانون التجنيد الالزامي معتبرين ان هذا الالزام سيساهم في زيادة اللحمة الوطنية ويعيد ما يطلقون عليه بالتوازن في المؤسسة العسكرية ويشغل الشباب العاطلين عن المطالبة بفرص عمل متناسين انه يمكن ان يكون مشروعا للفساد يدفع ثمنه الفقراء في خضم التخندقات والولاءات والطبقية، فضلا عن كونه اقرارا بفشل ليبرالية السوق التي عجزت عن توفير فرص عمل حقيقية للعاطلين، علاوة على ان المؤسسة العسكرية هي مؤسسة استهلاكية تثقل كاهل الموازنة العامة ودافعي الضرائب في نظام اقتصاد السوق الذي يدعون له، ووظيفتها اعداد جيش محترف في فنون القتال والدفاع عن الأوطان وهي معزولة عن الحياة المدنية في وقت السلم بعموم النظم الديمقراطية، وقد غادرت عموم الدول الديمقراطية في العالم العمل بقوانين التجنيد الالزامي، لا بل ان البعض من تلك الدول اتخذ من وزارات الدفاع جهات لإجازة المصانع العسكرية الخاصة والشركات الأمنية.
ان ما يؤسف له أن يتحول نظامنا الديمقراطي الذي ناضل من أجله الأفذاذ من السياسيين وتقطعت من أجله أوصال الفقراء في الأسواق والساحات العامة على مدار ثلاثة عشر عاما.. الى نظام دكاكين سياسية تغيّر يافطاتها بحسب اهوائها دون اعتبار لثوابت شكل النظام السياسي، فهي ليبرالية تدعو لحرية الانسان وحرية رأس المال تارة وطائفية رجعية حد النخاع تارة أخرى، والمنتفعون منها أكثر ليبرالية في ما يخص أموالهم وأكثر رجعية في ما يخص حرية الناس وحقوق الانسان، فيما يبقى الأمل قائما على مجلس شورى الدولة في تصحيح مسار هذا القانون بوصفه قانونا لا ينسجم مع روح الدستور الكافل للنظام الديمقراطي والحريات الفردية عسى أن تكون الافاقة من غيبوبة الوعي السياسي في ردهات الافاقة القانونية.