Pdf copy 1

علي حسن الفواز 
يبدو أن حديث الإصلاح السياسي سيظل ساخنا ومفتوحا على احتمالات شتى، ليس لأنه حديث في المكاشفة، وفي التعرية،
 بل لأن الحديث  غامض ولا يريد البعض من الفرقاء السياسيين فك طلاسمه، والتعاطي معه بوصفه حاجةً وطنية، أو موضوعا يتجاوز المصالح وتوزيع الأدوار والمغانم.
التظاهرت الشعبية التي بدأت في 25 شباط 2011 حملت معها هاجسا بالتغيير، وضرورة البحث عن مقاربات أخرى للواقع السياسي المأزوم، ولعقدة الفساد الذي تحوّل الى ظاهرة اجتماعية مُهددة للواقع والنظام وسياقات عمل الدولة..ولم يقم الكثير من سياسيي (الحكومة) بأية التفاتة واقعية لما يجري، أو حتى أخذ المطالب المدنية على محمل الجد!! كل ما في الأمر أن (البلدوزر) السياسي ظل يمشي على أرض وعرة، وظلت التظاهرات تكبر وتتسع، وقد وجد فيها الكثيرون من (المريدين والخصوم) فرصة للتعبير عن مواقفهم أو حتى عن نواياهم.
أزمة الاصلاح تكمن في غياب الارادة، وفي التشظي السياسي، وبقدر ما يثير القول عن طبيعة النظام السياسي المحاصصي، وخطورة تبعاته جدلا، إلّا أن غياب الإرادة والخبرة كان هو العنصر الأكثر تأثيرا في عدم تجاوز هذه العقدة، وفي ضعف التمكين من اتخاذ الإجراءات المناسبة،
 وفي مكاشفة الشعب بخطورة هذه الأزمة، وبمن يضع العقد أمام عملية الإصلاح،  وأحسب أن سياسة (الترقيع) وتعويم المشاكل كان سببا قارا في تضخيمها، كما أن غياب البرنامج الرقابي إداريا وماليا وقانونيا أسهم أيضا في تحويل تلك المشاكل الى مطبات من الصعب جدا تجاوزها، لأنها تكرست كجزء ضاغط ومُعوِق في مسار المشهد وحساباته التي يُديرها رؤساء الكتل السياسية أنفسهم.
سياسات المصالح
تعقد المشهد السياسي يعني تَعقّد السياسات والاجراءات، وغياب الرؤية الوطنية الواضحة والجامعة، فالبعض لا يرى في الاصلاحات إلّا مصالحه، والبعض الآخر يرى فيها نزعة للهيمنة ولفرض الأمر الواقع، وهناك من لا يريد أن لا يرى شيئا، ويؤمن بنظرية القطارات التي تسير بلا محطات!!.
كل هذا يضعنا أمام جملة من التساؤلات، وجملة من المواقف، فليس من الواقعية أن يتغافل فرقاء الأزمة عن ما يجري، وعن خطورة التحديات الامنية والسياسية والاقتصادية التي يواجهها البلد، والتي كادت أن تتحول الى كارثة كبرى لولا حكمة المرجعية الدينية وحُسن تقديرها للأمور..
كما أن تحول مؤسسات الدولة الى بؤر للفساد ولتضييع هويتها وشخصياتها، وتحويلها الى (دولة فاشلة) بات أمرا يستحق التوقف عنده ومراجعة الأخطاء التي وقعت بها الحكومات السابقة، على مستوى بناء مؤسسات الدولة وتحصينها وتكريس مهنيتها، أو على مستوى متابعة مظاهر الفساد والمُفسدين، ومراجعة ملفاتهم واتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم، لأن الفساد والفشل وغياب المهنية عطّل أفق التنمية الحقيقية، كما أن شيوع العشوائية في اختيار (السستم) الحكومي، وإخضاع الأمور الى مزاج الكتل السياسية وحسابات مصالحها، أفقد الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء قيمتها، ووضع هذه الصلاحيات خارج جدواها في المراقبة والمحاسبة وفي متابعة تنفيذ البرنامج الحكومي.
الاعتصامات وما بعدها
من الصعب تجاوز حالة الاعتصامات التي تشهدها مدينة بغداد، والتي ترفع شعارات الإصلاحات والدعوات بالتغيير، إذ هي حالة اجتماعية لافتة، التقى عند شعاراتها جمهور واسع وبتغطية سياسية من التيار الصدري والتيار المدني، مثلما هي حالة سياسية من الصعب تجاوزها، أو حتى الركون الى حلول غير واقعية لتعويمها، إذ قد تُزيد الطين بلّة!! أو قد تسهم في تأزيم السلم الأهلي في المجتمع، وإذا كان اجتماع الرئاسات الثلاث وقادة الكتل السياسية محاولةً لمعالجة الموقف، فإن تشكيل لجان لمتابعة ما يجري، لا سيما ما يتعلق بمطالب المعتصمين سيثير لغطا حول جدوى هذه اللجان، لأن طبيعة الأزمة تقتضي اتخاذ إجراءات مباشرة وسريعة من الرئاسات الثلاث، لطمأنة الشارع العراقي أولا، ولإعطاء رئيس الوزراء الصلاحيات النافذة لإقرار برنامجه الحكومي في التغيير وفي اتخاذ الاجراءات المناسبة، وفي متابعة ملفات الفساد المتضخمة، ومتابعة الأموال المُهرّبة خارج العراق والمشاريع المُعطّلة، ومكاشفة الجهات السياسية المسؤولة عن تعطيل عملية الاصلاح والتغيير، وحماية الفاسدين الذين ينتمون اليها.
إن ظاهرة الاعتصامات تعني وجود أزمة، وتعني أيضا وجود ضرورة  لمواجهة مطالبها، ولتغليب الروح المدنية في التعاطي مع شعاراتها وأهدافها، وبقطع النظر عما يمكن أن يتحقق منها، فإن تعميق الوعي بممارسة التظاهر والاعتصام المدني السلمي يُعدّ شروعا في تكريس الدولة المدنية، وفي اعطاء الجمهور حقه المدني في التعبير عن مواقفه، لكن بالمقابل فإن تجاهل هذه المطالب، أو تسويفها سيكون له مردود سلبي، وربما يُعطي لـ (البعض) نزوعا للتمرد وللتجاوز على المال العام وعلى الحق العام، فضلا عن ما يمكن أن يُتيحه لبعض الأجندات الخارجية من التدخل في الشأن الوطني وإثارة الصراعات والنعرات داخل المجتمع، وهو ما نجد بعض مظاهره في الأجندات الاعلامية المشبوهة التي تعمل على ضخ السموم، والتغالب وتهييج  جمهورها ضد العملية السياسية.

التعليقات معطلة