محمد شريف أبو ميسم
اختزل رئيس مجلس الوزراء في خطابه أمام مجلس النواب الكثير مما يمكن قوله خلال مهلة العشرة أيام عبر وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وطابور الدعاية في الشوارع ومواقع العمل حول التشكيلة الحكومية الجديدة .. فهو حين يقول «أنا أعلم ان البعض يريد أن يصل بالبلاد الى طريق مسدود..» فإنما يقر مسبقا بوجود قوى نافذة لم ولن ترضى حتى لو جاؤوها بحكومة من الملائكة، لأن وظيفة هذا «البعض» كانت ولا تزال تدور في اطار صناعة الأزمات والتعويق وشل محاولات النجاح في تخطي التحديات التي تواجهها البلاد، لأسباب ما عادت خفية على أحد.. فمن هذا «البعض» مَن نهج سياسة لي الأذرع على مدار سنوات ما بعد التغيير مستغلا سلسلة الأزمات لتحقيق المزيد من المكاسب الفئوية على حساب المصلحة الوطنية ومنهم من اتخذ من الازمات مشروعا لإفشال الدولة والعودة بالبلاد لصورة الحكم التي يؤمن بها.
وبالتالي فان تقديم التشكيلة الجديدة في الوقت المحدد مصحوبة بهذا التصريح الشجاع لرئيس مجلس الوزراء مع انسحاب المعتصمين من مواقعهم ، ترك هذا «البعض» يتخبط في تصريحاته ازاء علو صوت المطالبات بالاصلاح في مرحلة خطيرة تمر بها البلاد وإجماع على أهمية دعم التشكيلة الحكومية التي توزعت على المكونات والمحافظات واختزلت الترهل في الكابينة الحكومية بما يرضي الرأي العام وعموم المراقبين، اذ سرعان ما اختفت مفردات «التهميش والاقصاء وحقوق الفئة الفلانية» من تصريحات هذا «البعض» وحلت محلها مفردات وجمل من قبيل «التغيير الجوهري» و»بعض شخوص الكابينة الجديدة مغمورون وغير معروفين» أو ان «بعض المرشحين مسجل عليهم بعض الملاحظات» وكأننا ازاء وشاح مزركش نختلف على الوانه ونقوشه، ولسنا أمام مفترق طريق أوكل لشخوص مهنيين مسؤولية تحديد مسار ادارة الدولة فيه.. شخوص لهم توجهاتهم وميولهم ازاء ما يجري في البلاد بوصفهم بشرا، ولهم أخطاؤهم ايضا، فمن منا دون خطيئة؟.
وعلى هذا الأساس ليس من المستبعد، أن نشهد تصعيدا اعلاميا وعبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال هذه الايام العشرة للتعمية على هذه الخطوة الاصلاحية والتقليل من أهميتها أمام الرأي العام أو النيل من شخوص التشكيلة المقترحة بدوافع حزبية أو قومية أو طائفية، وعلى خلاف ذلك فقد نشهد تمجيدا وتعظيما لبعض افراد هذه التشكيلة لنفس الدوافع من اجل التأسيس للخطوة التي تليها والتي ستشكل خطرا على الاقطاعات الادارية التي أسستها القوى النافذة في الجهاز التنفيذي والتي كان لها الدور الأهم في شيوع وتكريس حالة الفساد التي أوصلت البلاد الى هذا المنعطف.
وفي السياق ذاته، وعلى الرغم من اجماع القوى النافذة على كفاية العشرة ايام لدراسة السير الذاتية للمرشحين في هذه التشكيلة الوزارية، الا اننا قد نفاجأ بمن يطلب تمديد هذه المهلة لأطول من ذلك اذا ما اكتشفت بعض القوى ان التصويت على هذه الكابينة الحكومية سينسحب بالضرر على مصالحها الاقطاعية في الجهاز التنفيذي، أملا في تسويف جدية الاصلاح وتفكيك حماسة واندفاع الشارع المطالب بالتغيير.
من جانب آخر فقد يشهد الجهاز التنفيذي في الوزارات المشمولة بالتغيير أوامر ادارية كثيرة خلال فترة العشرة أيام، بما فيها أوامر المصادقات والعقود ومنح السلف والتعيينات والنقل والتنسيب، بهدف تثبيت شخوص ومصالح الرعية التابعة لتلك الاقطاعيات في داخل الوزارات، وما سيفاقم من هذا التوقع هو مهلة الثلاثين يوما التي حددت بموجبها عملية الغاء العمل بالوكالة في مواقع المسؤولية وشمول وكلاء الوزارات والمدراء العامين بعملية التغيير، وسينسحب هذا الأمر على الهيئات المستقلة أيضا التي وعد رئيس مجلس الوزراء بإجراء التغييرات على اداراتها خلال نفس المدة الزمنية.
وربما يكون الخوض في هذه التوقعات أو سواها التي تتمثل في احتمالات تصاعد الصراع بين جيوش التابعين للاقطاعيات السياسية والادارات الجديدة للوزارات في مراحل ما بعد العشرة أيام أو الثلاثين يوما مهما للغاية بهدف البحث عن البدائل الممكنة للعجلات التي ستوضع فيها العصي، ولكنه ليس أهم من الخوض في مرحلة ما بعد ذلك، اذ سيحدد مصير ومستقبل البلاد وشكل النظام الاقتصادي بعد أن أعيدت البلاد الى موضع (المدين) للجهات الدائنة، ومن المهم هنا، عدم اغفال حالة التناغم في المشروع الاصلاحي مع مشروع من أطاح بالدكتاتورية وانفق نحو 600 مليار دولار كفاتورة للحرب وأسس للفوضى الخلاقة وكرس الفساد وحالة التشرذم، وجعل الوعي مقرونا بسخرية نظرية المؤامرة وهو يتخذ الآن من نافذة الدعم المالي ومن المطالب الجماهيرية وسيلة لتحقيق مشروعه بعد أن جعل البلاد تستجدي الخلاص من العنف والطائفية والفساد والافلاس، وكأنه يترك للناس حق التوقيع على شرعية الخيار لرأسمالية متوحشة كوسيلة للخلاص والتي لا تشبه رأسمالية دول الاتحاد الأوروبي التي تقر (باقتصاد السوق الاجتماعي)، والادهى من ذلك هو الخطوة المتوقعة بإضفاء الشرعية على الأموال المنهوبة لتكون خامة لهذا النظام التابع بدعوى المصالحة والعفو العام.
وأملنا كبير بالحشود الجماهيرية على مختلف توجهاتها، بأن لا تقبل بقانون عفو عام يشمل من سرق المال العام ويشرعن لهم حق الولوج للقطاع الخاص، حينها ستكون الطامة أكبر اذ سيكون السراق في صدارة المشهد، وتكون ديمقراطية رأس المال مشروعا لسرقة الريع واستعباد الرعية.