جاكسون ديل
مما لا شك فيه أن خطاب دونالد ترامب مؤخراً عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) «العتيق» قد أزعج الألمان والفرنسيين الذين يفكرون في أمن بلادهم، ولكن ربما يكون مستوى قلقهم أقل مقارنة بالعديد من دول أوراسيا التي لم يفكر فيها ترامب إطلاقاً – ومن بينها دول قليلة ليست حتى أعضاء في «الناتو»، ومن بين هذه الدول جورجيا. هذه الجمهورية السوفييتية السابقة ذات الأغلبية المسيحية التي تضم 4.5 مليون نسمة، والتي قد رهنت مستقبلها منذ أكثر من عشرة أعوام على فكرة أن بإمكانها الانسحاب من نطاق سيطرة موسكو – ونموذجها السياسي الاستبدادي – والاندماج في الغرب، ومع وجود دعم شعبي واسع، ناضل قادتها السياسيون لبناء اقتصاد السوق ومؤسسات سياسية ليبرالية، بما في ذلك وسائل الإعلام الحر، والمحاكم المستقلة والانتخابات التنافسية.
وكثيراً ما كانت النتائج تتباين صعوداً وهبوطاً، بما في ذلك الغزو الروسي في عام 2008، والذي جرد روسيا من اثنتين من مقاطعاتها، ورغم ذلك، حتى الآن فلا تزال الأمة إلى حد كبير على المسار الصحيح من خلال السعي المثابر لتحقيق هدفين كبيرين: الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي والانضمام لحلف «الناتو». الآن، وفجأة، يبدو أن الاتحاد والحلف يتعرضان لخطر التفكك على أيدي الشعبويين والقوميين الذين من شأنهم التراجع وراء الحدود المحصنة، وتجنب المهاجرين والتخلي عن الالتزامات الدولية، فماذا يحدث حال فوز ترامب وأنصاره؟
وفي هذا الصدد، ذكر لي الرئيس الجورجي المنتخب «جيورجي مارجفيلاشفيلي» الأسبوع الماضي أن «هذا بالتأكيد سيكون صدمة للمجتمع الجورجي، وبالتأكيد فإنه سيمثل مشكلة خطيرة لأمننا لأن لدينا جارة لديها فكرة مختلفة تماماً عما يجب أن تكون عليه جورجيا». وهذه، بطبيعة الحال، روسيا.وكما أشار الرئيس، فإن جورجيا تتقاسم أزمتها المحتملة مع منطقة أكبر. وتتجاهل شكاوى ترامب وأوباما، بشأن «المتكسبين» في حلف الناتو مثل ألمانيا وفرنسا، الدور الحاسم الذي لعبه الحلف من أجل مجموعة من الدول الصغيرة والأقل ازدهاراً في نهاية الحرب الباردة.وتحت وصاية الحلف، فإن الدول التي ربما قد سقطت في الأنظمة الديكتاتورية أو الفوضى، أصبحت بدلاً من ذلك ديموقراطيات عاملة. ومن أجل كسب الضمانات الأمنية للناتو، أو حتى مؤسسة أوسع مثل «شركاء من أجل السلام»، قامت هذه الدول بمنح حقوق للأقليات العرقية، والتسامح مع وسائل الإعلام المعارضة وملاحقة الفساد.وفي النهاية، أشرف «الناتو» على ما كان على الأرجح الجهد الأكثر نجاحاً في التاريخ لبناء الأمة، وقامت عدة دول – بولندا والمجر ولاتفيا وأستونيا وصربيا وكرواتيا وأوكرانيا وجورجيا – باعتماد النموذج الغربي الليبرالي للدولة تحت رقابة الحلفاء، حتى وإنْ لم تكن جميعها انضمت لحلف «الناتو»، أو الاتحاد الأوروبي. ومن شأن فوز ترامب أن يعرض هذا التحول الجيوسياسي التاريخي للخطر، كما سيثير قضية ما إذا كان أعضاء «الناتو» الجدد مثل دول البلطيق – ناهيك عن جورجيا وأوكرانيا – آمنة حقاً من العدوان الروسي. كما سيعزل حفنة من الدول التي هي في طريقها للتكامل الغربي، ولكنها لم تصل حتى الآن.
وقد يرفض «ترامب» وأنصاره مثل هذه الخسارة – لكن «مارجفيلاشفيلي» قال إنهم سيندمون على ذلك، وأوضح: «لا يمكنك استبعاد دول أصغر لأنك تعتقد أن هذه هي الطريقة التي يعمل بها النظام العالمي»، واستطرد «إذا قمت بدفع حالات مثل جورجيا وأوكرانيا في محفظة ما سيئة ونسيتها، فإنك ستواجه مزيد من التعقيدات- ليس فقط فيما يتعلق بروسيا، بل أيضاً في أجزاء أخرى من العالم»، حيث القوى الإقليمية، مثل الصين أو إيران، تطمح للسيطرة على جيرانها.
وتمثل جورجيا أوضح مثال على الكيفية التي تضافرت بها عضوية وتقدم «الناتو» لتعزيز الديموقراطية. في عام 2012، تم الإطاحة بالحكومة الموالية للغرب في الانتخابات البرلمانية – وكان هذا في حد ذاته إنجازاً ديموقراطياً من نوع ما. وقاد الائتلاف الجديد «بيدزينا إيفانشفيلي»، وهو ملياردير له صفات تتشابه بوضوح مع ترامب، بما في ذلك الديموغرافية الشعبوية والميل إلى الاستبداد.
ولفترة من الوقت، بدا الأمر، وكأن النظام الجديد قد يقوض ما نجحت البلاد في تحقيقه، وتعرض قادة الحكومة السابقة لملاحقة التحقيقات الجنائية، وتعرضت وسائل الإعلام التي لا تدعم الحكومة للضغط. و«إيفانشفيلي» وعد بأنه سيواصل السعي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي والناتو، ما أعطى بروكسل وواشنطن نفوذاً غير عادي. وبفضل ضغوطهما، فإن المعارضة السياسية ما زالت تعمل، ولا تزال شبكة التليفزيون الأكثر مشاهدة مستقلة وتنتقد الحكومة، وتبدو الانتخابات المقرر إجراؤها في خريف هذا العام قادرة على المنافسة الساخنة، وبالمناسبة، فإن جورجيا لا يزال لديها 750 جندياً تحت قيادة الناتو في أفغانستان.

