Pdf copy 1

كاس سانشتاين 
يظل يوم التاسع من نيسان من العام 2003 من المنعطفات التاريخية الحاسمة في تاريخ العراق ,حين أسس لمرحلة جديدة  كانت ابرز عناوينها الإطاحة بنظام البعث الدكتاتوري الذي يعتبر واحدا من أشرس الأنظمة استبدادا وطغيانا ليس في تاريخ العراق المعاصر ,بل في المنطقة أيضا ,حيث حقق هذا النظام وعلى مدى العقود الثلاثة التي حكم فيها العراق ارقاما قياسية هائلة في اعداد الضحايا  من العراقيين الذين أبادهم وفي الحروب التي أشعلها ضد دول الجوار والتي  أكلت عشرة أعوام من تاريخ العراق, إضافة الى اثني عشر عاما  اخرى من العقوبات الدولية التي جعلت العراق دولة من العصور الوسطى وفاقدة للسيادة. 
كان النظام السابق مختزلا بشخصية رئيسه الذي عمل على شخصنة  الدولة باسمه ,حيث حملت الجسور والدوائر والمستشفيات جميعها اسمه , بل جعل ايضا من نظام الحكم نظاما عائليا يهيمن  ابناؤه واشقائه والمقربون منه على كافة مفاصله وحلقاته الرئيسة  الامنية والاقتصادية والسياسية ولم يكن هناك أي حق لمواطن بانتقاد النظام والاعتراض عليه .حيث فقد اكثر من نصف مليون مواطن عراقي على الاقل حياتهم نتيجة لمواقف وانتقادات عارضت سياسات النظام وتوجهاته, اذ لم تكن هناك أية صحف معارضة ولا احزاب  وكان المواطنون يساقون الى محاكم يديرها ضباط امنيون, حيث التهم الجاهزة والاحكام المسبقة بالاعدام من دون ان يسمح لاي مواطن بالدفاع عن نفسه. اسس هذا النظام لكي يستمر في السلطة جيوشا امنية خاصة كانت تسهر على امن النظام وكانت مستعدة لابادة اية مدينة عراقية يحاول سكانها الثورة على النظام  وبالرغم من ذلك فان العراق شهد انتفاضات وثورات لم تكلل بالنجاح بسبب العامل الدولي والاقليمي الذي كان يعترض على طريقة اسقاط النظام وتفضيله خيار الانقلاب العسكري من الداخل وهو السيناريو الذي لم يحدث طوال 12 عاما قبل ان تتخلى الولايات المتحدة عن هذا الخيار لتلجأ الى الاجتياح المباشر للعراق وإسقاط النظام . لقد مثل التغيير فرصة لا تعوض من اجل إعادة ترميم النظام السياسي في العراق بنظام اكثر حداثة يتماشى مع معايير التقدم في النظم السياسية العالمية المتطورة , لكن هذا الهدف الحلم لم يصل العراقيون الى ضفافه بسبب ضعف الطبقة السياسية التي ظهرت عبر التغيير وعجزها المزمن عن انتاج حلول  حاسمة  لمختلف المشاكل والأزمات التي واجهت العراق بعد العام 2003 والتي اتخذت طابع الصراعات الدينية والاثنية والاختلافات الحادة حول هوية الدولة والنظام السياسي ,اضافة الى بناء المؤسسات الامنية والادارية. كان القبول بالمحاصصة واحداً من اكثر الاخطاء الكارثية التي اصابت عملية التغيير في صميمها ,حين انتجت هذه الخطوة نظاما سياسيا مشوها كان وما يزال عرضة  للتأزم والاختراق من قبل الكتل والأحزاب السياسية والتي قادت لاحقا إلى  تعرض مؤسسات الدولة الى اخطر عمليات فساد مالي منظم التهمت تحت لافتة  عمليات اعادة الاعمار معظم  عائدات الدولة المالية من دون ان تظهر اية مشاريع ومنجزات عمرانية حقيقية على ارض الواقع . كان ظهور هذا الفساد واحدا من مظاهر الفوضى الديمقراطية التي عصفت بالبلاد مع عجز شبه تام للمؤسسات الرقابية التي اكتفت بدور المتفرج على ما يحدث من دون ان تكون لها كلمتها في الواجهة مع هذا الفساد ,حيث تشير التقديرات الى تبديد اكثر من 500 مليار دولار نتيجة لذلك. العجز عن اقامة نظام سياسي ناجح يكون بديلا عن الديكتاتورية المستبدة التي عانى منها الشعب طيلة اكثر من ثلاثين عاما يؤشر العجز القاتل الذي تعاني منه السياسة العراقية محليا وعجزها عن استيعاب المتناقضات والأزمات الكامنة في عمق المجتمع العراقي والتي ظلت تشكل الحاجز المانع لأي برنامج بديل يمكن أن يقفز عليها ويتجاوزها . لقد كان النظام السابق نظاما عاجزا ومفلسا في سنواته الأخيرة  ومتآكلا من الداخل نتيجة الصراعات التي أخذت طابعا دمويا بين أقطابه ورموزه , إذ كان ببساطة عبارة عن نظام قروي متخلف يحمل طابعا عشائريا تمثل في اعتماده على أبناء قريته الحاكمة من العرفاء والمجندين السابقين في الشرطة والقوات المسلحة  ليصبحوا قادة للمؤسسات ووزراء وقادة كبار للجيش والمؤسسات التعليمية والصناعية , حيث أداروا الدولة وفق مفهومهم  الإجرامي الذي يقوم على القتل والنهب وتقاسم موارد الاقتصاد وتجارة العملة ,إضافة إلى تشكيل الميليشيات الرديفة التي كانت تتولى قطع الأذرع والألسن للمواطنين الأبرياء كنوع من رسائل التخويف والقمع للشارع العراقي . 
كان التاسع من نيسان وما يزال فردوسنا المفقود الذي أضعناه بعنادنا وببداوتنا وبيأسنا واحباطاتنا ومن خلافاتنا المزمنة التي لا تنتهي ولا تقبل الحل وتجاهلنا المخيف لايجاد حل شجاع وحاسم لها يوصد الباب بوجه أي تدخل او تأمر دولي او اقليمي يستهدفنا عبره . انتهى النظام بتلك الصورة المتوقعة ,حين انهارت جيوشه الامنية ومؤسساته القمعية التي عجزت عن حماية الطاغية الذي انتهى به المطاف ان يستخرج من حفرة عميقة تحت الارض ووضعه اشبه بالجرذ  في مشهد كان يفصح بلاغة بان مصير الطغاة دوما الى الزوال والسقوط.

التعليقات معطلة