توماس هانسن
هتفت هيلاري كلينتون خلال مناظرة لها مع بيري ساندرز في أكتوبر الماضي: «أحب الدنمارك». وتعد الدنمارك، الدولة الصغيرة المعروفة بقيمها الليبرالية، بالنسبة إلى ساندرز نموذجاً يجب محاكاته أو على الأقل التصفيق له.
وخلال الأشهر التي انقضت منذ تلك المناظرة ساء صيت الدنمارك في الخارج، فقد تبنى المشرعون الدنماركيون سلسلة من الإجراءات المثيرة للجدل لردع اللاجئين من التقدم بطلبات اللجوء. وفي سبتمبر الماضي شنت الحكومة حملة ضد اللاجئين في الصحف العربية، محذرة إياهم من القدوم إليها. وفي ديسمبر الماضي، قال رئيس الوزراء لارس لوك راسموسن إن ميثاق عام 1951 الأممي المعني باللاجئين، ينبغي تنقيحه.وفي العام الماضي أقرت الدنمارك مشروع قانون يحد من الوصول للم شمل الأسر السورية اللاجئة حتى ثلاث سنوات والسماح للشرطة بالبحث عن اللاجئين ومصادرة ممتلكاتهم.هذه الإجراءات الصارمة تسببت باحتجاجات دولية، ولكنها شكلت مفاجأة أيضاً: لماذا تتبنى الدنمارك التي يفترض أنها علامة مميزة عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والتنمية، مثل هذه السياسات المتزمتة؟ لماذا تقود الدنمارك السباق فجأة عندما يتعلق الأمر بمنع دخول اللاجئين؟
في الحقيقة، لا يجب أن يعتبر هذا الأمر مفاجأة. فعبر الخمس عشرة إلى عشرين سنة الأخيرة تغير إلى حد كبير فهم الدنمارك لدورها في السياسة الدولية تماماً مثل سياسات الهجرة والجدل الوطني حول هجرة المسلمين.حددت السياسة الخارجية الدنماركية منذ الحرب العالمية الثانية من خلال اعتقاد راسخ بشأن فضل سيادة القانون الدولي والتعددية والحل السلمي للنزاعات. وبالنسبة إلى دولة صغيرة فيها 5.5 ملايين نسمة فإن الدنمارك اعتبرت المؤسسات الدولية القوية في مصلحتها لتخفيفها تأثيرات سياسات القوى العظمى.عملت حكومات الدنمارك المتعاقبة للترويج للدنمارك باعتبارها بلداً نموذجياً من خلال الريادة في كثير من القضايا، مثل حماية اللاجئين وحقوق الإنسان ومساعدات التنمية.
غير أنه مع نهاية الحرب الباردة بدأ موقف السياسة الخارجية هذا في التغير. وشاركت الدنمارك في التدخل في كوسوفو، محاولة منع وقوع عمليات تطهير عرقي جديدة في البلقان باستخدام قوة عسكرية من دون تفويض أممي للمرة الأولى.ومنذ عام 2002 انخرطت الدنمارك في كل الحروب في الشرق الأوسط إلى جانب الولايات المتحدة. وفي أفغانستان قاتلت الدنمارك في معظم المناطق الصعبة مثل هلمند، وخلال الوقت ذاته، خفضت الدنمارك الكثير من مساعدات التنمية.وهناك نهج أكثر حداثة يتمثل في خطاب السياسة الخارجية الرسمي. وبحسب رئيس الوزراء، فإن على الدنمارك بحكم كونها دولة صغيرة ألا تحاول تغيير العالم مرة أخرى أو أن تركز على الديمقراطية المثالية النبيلة وعلى حقوق الإنسان، وبدلاً من ذلك يجب أن تعطي أولوية «للمصالح القومية» وأن تجعل البلاد منطقة آمنة للدنماركيين.الإجراءات الصارمة تجاه اللاجئين تأخذ الدنمارك حالية في دوامة إلى الأسفل بالنظر إلى أن الحكومات الأوروبية تتنافس بشدة للدفع بقضايا اللجوء السياسي إلى دول أخرى. وعلى غرار الدنمارك، فإن معظم الدول الأوروبية الأخرى تحولت نحو سياسات انعزالية ساعية إلى خدمة المصالح الوطنية على حساب أي التزام تجاه الحلول الأوروبية المشتركة. وبهذا المعنى فإن أزمة اللاجئين ربما تعتبر عرضاً لتغيير أعمق على امتداد أوروبا ابتعاداً عن سياسة التعاون الدولية وعودة إلى الدولة القومية.