فيصل عابدون
من بين أكثر أحداث الأسبوع إثارة، وربما أشدها إثارة على الإطلاق، كان انفجار قضية الوثائق السرية لأموال «الأفشور» وشركاتها القائمة على هامش المؤسسات المالية الشرعية. وما انطوت عليه من اتهامات الفساد والتهرب الضريبي وجرائم غسل أموال، طالت أسماء لامعة وقادة طالما تشدقوا بأهمية الشفافية ومكافحة الفساد في بلادهم.لقد غطى الانفجار الهائل للفضيحة والتي اعتبرها المراقبون أضخم تسريب معلوماتي في التاريخ، على كل ما عداها من أحداث وتطورات على مسارح السياسة والحرب، ووجدت الفضيحة أجواء مناسبة لتملأ الفراغ وتحبس أنفاس العالم الذي تشبع بأخبار الحروب والأزمات ومشاهد القتل والدماء والتشرد وبات مهيئاً لحدث ذي طبيعة مختلفة.أوراق بنما وفرت للعالم أجواء فضيحة كونية كاملة توافقت مع مزاجه العام ونزعته الفطرية للاطلاع على الأسرار المستورة واكتشاف التناقضات في الطبائع والسياسات. والأمر الأكثر إثارة والأشد إيلاما أيضا أن أبرز المتورطين كانوا قيادات أرست زعامتها بين الشعوب على رأسمال اسمه الشفافية والعلانية ومكافحة السرية وممارسات الفساد الحكومي، في حين كشفت الوثائق حقيقة المعاملات المفارقة للشفافية والواقعة في تخوم الفساد والجريمة.الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، الذي نشر الأوراق قال إن الوثائق المسربة، وعددها نحو 11.5 مليون، تحتوي على بيانات تتعلق بعمليات مالية لأكثر من 214 ألف شركة عابرة للبحار في أكثر من 200 دولة ومنطقة حول العالم وتطال نحو 145 شخصية بارزة، وغطت الوثائق المسربة من مكتب «موساك فونسيكا» 40 عاما من الرسائل الإلكترونية والسجلات المالية وتفاصيل جوازات السفر، عبر تحقيق شارك فيه أكثر من 100 مجموعة إعلامية.الاتحاد قال أيضا إن ما تم نشره حتى الآن يمثل فقط نصف الوثائق التي حصل عليها الصحفيون وإن النصف الثاني يحمل وقائع أكثر إثارة. وبينما تؤكد التقارير أن مئات المليارات تم إيداعها في تلك الملاذات فإن التقديرات تشير إلى أن الدول والشعوب خسرت ملايين الدولارات بسبب التهرب الضريبي وإنشاء شركات وهمية لتكديس الودائع وجرائم غسل الأموال.رئيس وزراء إيسلندا كان من كبار الشخصيات التي طالها الاتهام و سارع بتقديم استقالته قبل أن تتوسع الاحتجاجات المطالبة برحيله. بينما اكتفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإنكار والتحدي ومثله فعل قادة الصين وزعيم كوريا الشمالية والرئيس الأوكراني. غير أن أكبر الخاسرين على الإطلاق هو رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي يكافح باستماتة لاستعادة المصداقية وإثبات اتساقه مع مبادئ الشفافية وهي حرب خاسرة بلا شك.